الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن هذا العمل الذي كنت تمارسه من أكبر الكبائر، وأبشع الجرائم عند الله تعالى، فهو فوق الزنا.
أما وقد منّ الله عليك بالتوبة منه، فالله تعالى يكفره عنك، ويتجاوز عنه بمنه وكرمه، "فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له" كما في الحديث الذي رواه ابن ماجه.
والشروط التي إذا توفرت في الشخص تكون توبته صادقة هي: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما حصل منه في الماضي، والعزم على عدم العود إليه في المستقبل، هذه الشروط الثلاثة إذا توفرت في الشخص، فإنه يرجى أن تكون توبته مقبولة عند الله تعالى، ويمحو الله عنه بها الخطايا، ويغفر له بها الزلات؛ وإن عظمت، حتى ولو لم يخرج من البلد الذي كان يعصي الله تعالى فيه، ولكن لا شك أن مفارقة التائب للمواضع التي أصاب فيها الذنوب ومقاطعته للأصحاب المساعدين له على ذلك، واستبدالهم بصحبة أهل الخير مما يؤكد التوبة، ويبعد عن البيئة الأولى، ويساعد على الاستقامة، ويرفع الحرج الحاصل بالنظر إلى الأطفال المغتصبين.
وقد أخذ العلماء استحباب مفارقة التائب للبيئة التي عصى الله فيها، ومقاطعته لأصدقائه الأولين من الحديث الذي في صحيح مسلم، والذي فيه قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فأرشد إلى أن ينطلق إلى أرض بها أناس يعبدون الله تعالى، وأن لا يرجع إلى أرضه، فكان ذلك سبباً في رحمة الله له، ودخوله الجنة.
وما كانت الذنوبه لها تعلق بحقوق العباد، فلا بد من التحلل منهم إن أمكن، فمن اغتصبته من هؤلاء من غير مطاوعة منه، وأمكنت مراسلته بطلب المسامحة، والاعتذار له عموما- دون التصريح بالأمر-، فراسله، وإن أمكن أن تبعث له بهدية -ولو رمزية- تطييبا لقلبه- فافعل، فإن علمت عدم تقبل ذلك منه فيجزئك أن يكثر من فعل الخيرات والابتعاد عن المنكرات، وادع لأولئك، واستغفر لهم.
وعليك أن تنتبه إلى أن هذه المغادرة للمكان ينبغي أن لا تكون على حساب الإخلال بواجب، كأن يكون لك والدان أو أحدهما أو إخوان تقوم بما يحتاجون إليه، وستؤدي مغادرتك لهذه البلدة إلى ضياعهم.
والله أعلم.