الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالظاهر أنك بعملك مراجعًا لقوائم مالية متعلقة بودائع ربوية، لا تكون داخلًا في الشاهدين على عقد الربا؛ لأن العملية الربوية بكاملها قد تمّت بعيدًا عنك، ولم تكن شاهدًا عليها وقت عقدها.
ولكنك معاون للشركات المتعاملة بالربا؛ وذلك بمراجعة ودائعها الربوية، وهذا التعاون محرم؛ لقول الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].
وبالمنع من هذا العمل جاءت فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء، فانظرها في الفتوى: 354433.
أما ما ذكرت بخصوص تطهير جزء من الراتب:
فإن كنت جاهلًا بحرمة هذه الإعانة، فليس عليك أن تتخلّص من قدر ما كسبت من الحرام.
وأما إن كنت عالمًا بحرمة ذلك، فعليك إخراج قدر الحرام، إن كنت تعلمه بالتحديد، فإن جهلت قدره، فاجتهد في تقديره حتى يغلب على ظنّك أن ذمّتك قد برئت.
وهذا التفصيل ذهب إليه بعض أهل العلم، فقد جاء في الاختيارات لابن تيمية ـ رحمه الله ـ ما يلي: ومن كسب مالًا حرامًا برضاء الدافع، ثم تاب ـ كثمن الخمر، ومهر البغي، وحلوان الكاهن ـ؛ فالذي يتلخّص من كلام أبي العباس: أن القابض إن لم يعلم التحريم، ثم علم؛ جاز له أكله، وإن علم التحريم أولًا، ثم تاب؛ فإنه يتصدّق به. اهـ.
وأما ما ذكرته من أن تلك البلاد لا تتوفر فيها وظائف أخرى خالية من هذه الأمور، فهذا إطلاق غير صحيح، بل كثير من المسلمين في تلك البلاد يعملون في وظائف مباحة، وأنت -نفسك- في عملك مع جهة العمل هذه، إن تجنّبت مراجعة المعاملات المحرّمة للشركات، واقتصر عملك على المعاملات المباحة؛ لجاز لك البقاء في عملك.
أما إذا لم تستطع تجنّب ذلك، فيجب عليك البحث عن عمل آخر مباح.
واعلم أن من اتقى الله، رزقه، وكفاه، وأنعم عليه؛ فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وهو مع عباده المؤمنين، وكم من رجل ترك العمل المحرم، وظن في بادئ الأمر أنه لن يجد قوت يومه، ثم ما لبث أن فتح الله عليه، ورزقه من حيث لا يحتسب، ولا غرابة في ذلك؛ فهذا وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2-3].
والله أعلم.