الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإنه يُشرع للمسلم الالتجاء إلى الله بالدعاء عند فقدان ماله أو مال أخيه، وقد وردت في ذلك آثار عن بعض السلف؛ فقد أورد ابن القيم في الوابل الصيب، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنه كان يقول للرجل إذا أضل شيئًا: قل: اللهم رب الضالة، هادي الضالة، تهدي من الضلالة، رد علي ضالتي بقدرتك، وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك.
وفي وجه آخر: سئل ابن عمر رضي الله عنه عن الضالة، فقال. يتوضأ، ويصلي ركعتين، ثم يتشهد، ثم يقول: اللهم راد الضالة، هادي الضلالة، تهدي من الضلالة، رد علي ضالتي بعزتك وسلطانك، فإنها من فضلك وعطائك. قال البيهقي: هذا موقوف، وهو حسن.
وقد قيل: إن من ضاع له شيء فقال: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه! رد علي ضالتي؛ ردها الله تعالى عليه.
وأما قراءة القرآن لرد الضالة أو لغير ذلك من الحاجات، فإنه يشرع التوسل العام بالقرآن، وسؤال الله به ما يشاء العبد من الحاجات، كما في الحديث: اقرؤوا القرآن، واسألوا الله به. رواه الترمذي وحسنه الألباني.
وفي الحديث: من قرأ القرآن، فليسأل الله به، فإنه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به الناس. رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح الترغيب.
قال المباركفوري في تحفة الأحوذي: فليسأل الله به، أي: فليطلب من الله تعالى بالقرآن ما شاء من أمور الدنيا والآخرة، أو المراد أنه إذا مر بآية رحمة فليسألها من الله تعالى، وإما أن يدعو الله عقيب القراءة بالأدعية المأثورة. اهـ.
وقد تكلم بعض أهل العلم حول تخصيص آيات معينة أو سور معينة -كسورة الضحى- فذكروا أن الاعتقاد في أن لها خاصية في رد المفقودات دون دليل شرعي، يعتبر من البدع الإضافية، فقد قال الدكتور العلامة بكر أبو زيد في كتابه بدع القراء القديمة والمعاصرة: من البدع التخصيص بلا دليل بقراءة آية، أو سورة في زمان، أو مكان، أو لحاجة من الحاجات. انتهى.
وأما أن يقرأ الراقي على التراب ثم يعطيك التراب فترميه على أثر الإبل الضالة، فلا نعلم ما يدل على فائدته، ولا مشروعيته.
وأما الرقية على العموم، فتشرع إذا كانت تتضمن قراءة القرآن والأدعية المأثورة وغيرها مما لا محذور فيه، فقد جاء في الأم للشافعي: باب ما جاء في الرقية: سألت الشافعي عن الرقية؟ فقال: لا بأس أن يرقي الرجل بكتاب الله، وما يعرف من ذكر الله. اهـ.
وقال ابن القيم -رحمه الله- في كتابه زاد المعاد: فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم واستيفاء شروطه لم يقاومه الداء أبداً، وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها، أو على الأرض لقطعها؟!! فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه لمن رزقه الله فهمًا في كتابه، قال تعالى: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت:51]. فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، ومن لم يكفه القرآن، فلا كفاه الله. انتهى كلامه رحمه الله.
والقراءة على السكر -مثلاً- ثم يأكل منه المريض، اختلف العلماء فيه بين من عده بدعة، ومن عده مشروعًا. وراجع للمزيد في ذلك الفتوى: 7852.
وإذا ثبت أن شخصاً ما يعالج بالرقية الشرعية، فلا حرج عليه في أخذ أجرة على ذلك، فقد جاء في مطالب أولي النهى: سئل أحمد عن رجل ليس له صنعة سوى بيع التعاويذ، فترى له أن يبيعها أو يسأل الناس؟ قال: يبيع التعاويذ أحب إلي من أن يسأل الناس. انتهى.
وراجع في ضابط الرقية المشروعة والممنوعة الفتويين: 56219، 288337.
والله أعلم.