الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الدخول في الرضا شرط في رجوع النفس إلى ربها

فصل

قال صاحب " المنازل " :

قال الله تعالى : يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي [ ص: 176 ] لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا . وشرط القاصد الدخول في الرضا . والرضا اسم للوقوف الصادق ، حيثما وقف العبد . لا يلتمس متقدما ولا متأخرا ، ولا يستزيد مزيدا . ولا يستبدل حالا . وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص . وأشقها على العامة .

أما قوله : لم يدع في هذه الآية للمتسخط إليه سبيلا فلأنه قيد رجوعها إليه سبحانه بحال . وهو وصف الرضا . فلا سبيل إلى الرجوع إليه مع سلب ذلك الوصف عنها . وهذا نظير قوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون . فإنما أوجب لهم هذا السلام من الملائكة والبشارة بقيد ، وهو وفاتهم طيبين . فلم تبق الآية لغير الطيب سبيلا إلى هذه البشارة .

والحاصل : أن الدخول في الرضا شرط في رجوع النفس إلى ربها . فلا ترجع إليه إلا إذا كانت راضية .

قلت : هذا تعلق بإشارة الآية ، لا بالمراد منها . فإن المراد منها : رضاها بما حصل لها من كرامته . وبما نالته منها عند الرجوع إليه . فحصل لها رضاها ، والرضا عنها . وهذا يقال لها عند خروجها من دار الدنيا ، وقدومها على الله .

قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله إليه ملكين . وأرسل إليه بتحفة من الجنة . فيقال : اخرجي أيتها النفس المطمئنة ، اخرجي إلى روح وريحان ، ورب عنك راض .

وفي وقت هذه المقالة ثلاثة أقوال للسلف .

أحدها : أنه عند الموت . وهو الأشهر . قال الحسن : إذا أراد قبضها اطمأنت إلى ربها . ورضيت عن الله ، فيرضى الله عنها .

وقال آخرون : إنما يقال لها ذلك عند البعث . هذا قول عكرمة و عطاء و الضحاك و جماعة .

وقال آخرون : الكلمة الأولى وهي ارجعي إلى ربك راضية مرضية تقال لها [ ص: 177 ] عند الموت . والكلمة الثانية - وهي فادخلي في عبادي وادخلي جنتي تقال لها يوم القيامة . قال أبو صالح ارجعي إلى ربك راضية مرضية هذا عند خروجها من الدنيا . فإذا كان يوم القيامة قيل لها فادخلي في عبادي وادخلي جنتي

والصواب : أن هذا القول يقال لها عند الخروج من الدنيا ، ويوم القيامة . فإن أول بعثها عند مفارقتها الدنيا ، وحينئذ فهي في الرفيق الأعلى ، إن كانت مطمئنة إلى الله ، وفي جنته . كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة . فإذا كان يوم القيامة قيل لها ذلك . وحينئذ فيكون تمام الرجوع إلى الله ودخول الجنة .

فأول ذلك عند الموت . وتمامه ونهايته يوم القيامة ، فلا اختلاف في الحقيقة .

ولكن الشيخ أخذ من إشارة الآية : أن رجوعها إلى الله من الخلق في هذا العالم إنما يحصل برضاها . ولكن لو استدل بالآية في مقام الطمأنينة لكان أولى ، فإن هذا الرجوع الذي حصل لها فيه رضاها والرضا عنها : إنما نالته بالطمأنينة . وهو حظ الكسب من هذه الآية ، وموضع التنبيه على موقع الطمأنينة ، وما يحصل لصاحبها . فلنرجع إلى شرح كلامه .

قوله : الرضا هو الوقوف الصادق . يريد به الوقوف مع مراد الرب تبارك وتعالى الديني حقيقة ، من غير تردد في ذلك ولا معارضة . وهذا مطلوب القوم السابقين . وهو الوقوف الصادق مع محاب الرب تعالى ، من غير أن يشوب ذلك تردد ، ولا يزاحمه مراد .

قوله : حيثما وقف العبد . يصح أن يكون العبد فاعلا . أي حيث ما وقف بإذن ربه لا يلتمس تقدما ولا تأخرا . ويصح أن يكون مفعولا ، وهو أظهر . أي حيثما وقف الله العبد - فإن وقف يستعمل لازما ومتعديا - أي حيثما وقفه ربه . لا يطلب تقدما ولا تأخرا . وهذا إنما يكون فيما يقفه فيه من مراده الكوني الذي لا يتعلق بالأمر والنهي . وأما إذا وقفه في مراد ديني ، فكماله بطلب التقدم فيه دائما . فإنه إن لم تكن همته التقدم إلى الله في كل لحظة : رجع من حيث لا يدري . فلا وقوف في الطريق ألبتة ، ولكن إذا وقف في مقام - من الغنى والفقر ، والراحة والتعب ، والعافية والسقم ، والاستيطان ومفارقة الأوطان - يقف حيث وقفه . لا يطلب غير تلك الحالة التي أقامه الله فيها . وهذا لتصحيح رضاه باختيار الله له ، والفناء به عن اختياره لنفسه .

وكذلك قوله : لا يستزيد مزيدا ، ولا يستبدل حالا .

هذا المعنى الذي ذكره الشيخ فرد من أفراد الرضا ، وهو الرضا بالأقسام والأحكام الكونية التي لم يؤمر بمدافعتها .

[ ص: 178 ] وقوله : وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص يعني أن سلوك أهل الخصوص : هو بالخروج عن النفس ، والخروج عن الإرادة : هو مبدأ الخروج عن النفس . فإذا الرضا - بهذا الاعتبار - من أوائل مسالك الخاصة .

وهذا على أصله في كون الفناء غاية مطلوبة فوق الرضا .

والصواب : أن الرضا أجل منه وأعلى . وهو غاية لا بداية .

نعم فوقه مقام الشكر فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر .

وقوله : وأشقها على العامة وذلك لمشقة الخروج عن الحظوظ على العامة ، والرضا أول ما فيه : الخروج عن الحظوظ . والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث