الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث إنما الأعمال بالنيات

جزء التالي صفحة
السابق

1 - عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لامرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ، فهجرته إلى الله ، ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه " . متفق عليه .

التالي السابق


[ ( وإنما لامرئ ) ] أي : الشخص . وفي رواية : وإنما لكل امرئ [ ( ما نوى ) ] أي : جزاء الذي نواه من خير ، أو شر ، أو جزاء عمل نواه ، أو نيته دون ما لم ينوه ، أو نواه غيره له ، ففيهبيان لما تثمره النية من القبول ، والرد ، والثواب ، والعقاب ، وغير ذلك كإسقاط القضاء ، وعدمه ، إذ لا يلزم من صحة العمل قبوله ، ووجود ثوابه لقوله تعالى : ( إنما يتقبل الله من المتقين ) ففهم من الجملة الأولى أن الأعمال لا تكون محسوبة إلا بالنية ، ومن هذه أنها إنما تكون مقبولة بالإخلاص ، وحاصل الفرق أن النية في الأول متعلقة بنفس العمل ، وفي الثاني متوجهة إلى ما لأجله العمل من الأمل ، وقيل : هذه مؤكدة للأولى تنبيها على سر الإخلاص ، ونوقش بأن تنبيهها على ذلك يمنع إطلاق كونها مؤكدة ، وقيل : المراد بالأعمال العبادات ، وبالثاني الأمور المباحات فإنها لا تفيد المثوبات إلا إذا نوى بها فاعلها القربات كالمآكل ، والمشارب ، والمناكح ، وسائر اللذات إذا نوى بها القوة على الطاعات لاستيفاء الشهوات ، وكالتطيب إذا قصد إقامة السنة ، ودفع الرائحة المؤذية عن عباد الله تعالى ، ففي الجملة كل عمل صدر عنه لداعي الحق ، فهو الحق ، وكذا المتروكات لا يترتب عليها المثوبات إلا بالنيات . روي أن رجلا من بني إسرائيل مر بكثبان رمل في مجاعة ، فقال في نفسه : لو كان هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس فأوحى الله إلى نبيهم : قل إن الله قد صدقك ، وشكر حسن صنيعك ، وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدقت به . وقال الخطابي في إعلام الحديث ، واختاره النووي أن هذه إشارة إلى إيجاب تعيين المنوي فلا بد أن ينوي في الفائتة من كونها ظهرا ، أو عصرا ، ولولاه لدل إنما الأعمال على الصحة بلا تعيين ، أو أوهم ذلك اهـ .

وكذلك إذا عمل عملا ذا وجهين أو وجوه من القربات كالتصديق على القريب الذي يكون جارا له ، وفقيرا ، أو غير ذلك من الأوصاف التي يستحق بها الإحسان ، ولم ينو إلا وجها واحدا لم يحصل له ذلك بخلاف ما إذا نوى جميع الجهات فعلم سر تأخير هذه الجملة ، وأنهما متغايرتان ، قيل : المفهوم منه أن نية الخاص في ضمن نية العام غير معتبرة كما قال به بعض ، وقال بعضهم : إنها معتبرة ، ويدل عليه حديث : ( الخيل لثلاثة ) إلخ . والله أعلم . وقيل : النية في الحديث محمولة على معناها اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده ، وتقسيمه بقوله : [ ( فمن كانت هجرته إلى الله ، و ) ] : إلى [ ( رسوله ) ] : فإنه تفصيل ما أجمله ، واستنباط المقصود عما أصله ، وتحريره أن قوله : إنما لامرئ ما نوى دل على أن الأعمال تحسب بحسب النية إن كانت خالصة لله فهي له تعالى ، وإن كانت للدنيا فهي لها ، وإن كانت لنظر الخلق فهي لذلك ، فالتقدير إذا تقرر أن لكل إنسان منويه من طاعة ، أو مباح ، أو غيرهما فمن كانت هجرته من الهجر ، وهو الترك الذي هو ضد الوصل ، والمراد هنا ترك الوطن الذي بدار الكفر إلى دار الإسلام كهجرة الصحابة لما اشتد بهم أذى أهل مكة منها إلى الحبشة ، وإلى المدينة قبل هجرته - عليه الصلاة والسلام - ، وبعدها ، ولما احتاجوا إلى تعلم العلوم من أوطانهم إلى المدينة ، وقد تطلق كما في أحاديث على هجرة ما نهى الله عنه ، وفي معناها [ ص: 46 ] هجر المسلم أخاه ، وهجر المرأة مضجع زوجها ، وعكسه ، ومنها الهجرة من ديار البدعة إلى بلاد السنة ، والهجرة لطلب العلم ، وترك الوطن لتحصيل الحج ، وفي معناه الاعتزال عن الناس ، وأما قوله - عليه الصلاة والسلام - : ( لا هجرة بعد الفتح ) محمول على خصوص الهجرة من مكة إلى المدينة ؛ لأن عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان باق على حاله ، وكذا الهجرة من المعاصي ثابتة لقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ) . والمراد المهاجر الكامل . وهذا معنى حديث : ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ) قيل : المراد منها هاهنا إلى المدينة لذكر المرأة ، وحكاية أم قيس ، لكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، والمعنى من قصد بهجرته وجه الله ، والتقرب إلى رضاه لا يخلطها بشيء من الأعراض الدنيوية ، فهو كناية عن تخليص النية ، أو ذكر الله توطئة لذكر الرسول تخصيصا له بالله ، وتعظيما للهجرة إليه ، أو ذكر الله للتزيين ، والإيماء إلى أن الهجرة إليه - عليه الصلاة والسلام - كالهجرة إلى الله تعالى . كقوله : ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) في الثابت في النسخ المصححة إعادة الجار في الشرط ، والجزاء ، وهي تفيد الاستقلال في الحكم بمعنى أن كلا من الهجرتين يقوم مقام الأخرى في مرتبة القبول : [ ( فهجرته إلى الله ، و ) ] : إلى [ ( رسوله ) ] : لم يقل إليهما استلذاذا بتكرير اسمهما ، " وإلى " متعلقة بهجرته إن قدرت " كانت " تامة ، وبمحذوف هو خبرها إن كانت ناقصة أي : منتسبة إليهما ، والمراد أصل الكون لا بالنظر إلى زمن مخصوص ، أو وضعه الأصلي من المضي ، أو هنا من الاستقبال لوقوعها في حيز الشرط لفظا ، أو معنى للإجماع على استواء الأزمنة في الأحكام الشرعية إلا لمانع ، ثم من القواعد المقررة أنه لا بد من المغايرة بين الشرط ، والجزاء لحصول الفائدة فقيل : التقدير فمن كانت هجرته إلى الله ، ورسوله قصدا ، ونية فهجرته إلى الله ، ورسوله ثمرة ، ومنفعة ، فهو تمييز للنسبة ، ويجوز حذفه للقرينة ، وقيل : فمن كانت هجرته إلى الله ، ورسوله في الدنيا فهجرته إلى الله ورسوله في العقبى ، وقيل : الجملة الجزائية كناية عن قوله : فهجرته مقبولة ، أو صحيحة فأقيم السبب مقام المسبب ، وقيل : خبره مقدر من طرف الجزاء أي : فهجرته إلى الله ، ورسوله مقبولة أي : فهي كما نواها ، وقد وقع أجره على الله سواء مات في الطريق ، أو وصل إلى الفريق كقوله تعالى : ( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) وقيل : اتحاد الشرط ، والجزاء لقصد التعظيم ، ولإرادة التحقير فيما سيأتي فيكون التغاير معنى بدليل قرائن السياق بأن يراد بالأول ما وجد خارجا ، وبالثاني ما عهد ذهنا على حد : أنت أنت أي : الصديق الخالص ، وهم هم أي : الذين لا يعرف قدرهم ، ومنه : أنا أبو النجم ، وشعري شعري . أي : الآن هو شعري الذي كان ، والكبر ما غير اللسان ، والحاصل أن يقال : فهجرته عظيمة ، ونتيجتها جسيمة . [ ( ومن كانت هجرته إلى دنيا ) ] : بضم الدال ، ويكسر ، وهي فعلى من الدنو ، وهو القرب لدنوها إلى الزوال ، أو لقربها من الآخرة منا ، ولا تنون لأن ألفها مقصورة للتأنيث ، أو هي تأنيث أدنى ، وهي كافية في منع الصرف ، وتنوينها في لغة شاذ ، ولإجرائها مجرى الأسماء ، ولخلعها عن الوصفية نكرت كرجعى ، ولو بقيت على وصفيتها لعرفت كالحسنى ، واختلفوا في حقيقتها مع أنه لا حقيقة لها فقيل : وهي اسم مجموع هذا العالم المتناهي ، ففي القاموس الدنيا نقيض الآخرة ، ولو قال ضدها لكان أولى إيماء إلى أنهما لا يجتمعان مع جواز أنهما يرتفعان ، وقيل : هي ما على الأرض من الجو ، والهواء ، أو هي كل المخلوقات من الجواهر ، والأعراض الموجودة قبل الآخرة . قال النووي : وهذا هو الأظهر ، ويطلق على كل جزء منها مجازا ، وأريد هاهنا شيء من الحظوظ النفسانية كمال أو جاه ، وقد تكون إشارة إلى العاجل ، والمرأة إيماء إلى الآجل ، وهو الآخرة لانضمام الروحانية إلى الجسمانية في كل منهما فيفيد حينئذ أن قصد ما سوى الله تعالى فيه انحطاط تام عمن لم يقصد غير وجهه تعالى ، وقليل ما هم ، وعند محققي القوم ما تعلق دركه بالحس ، فهو دنيا ، وما تعلق دركه بالعقل ، فهو أخرى ، وفي رواية : ومن كانت هجرته لدنيا أي : لأجل عرضها ، وغرضها فاللام للتعليل ، أو بمعنى ( إلى ) لتقابل المقابل [ ص: 47 ] [ ( يصيبها ) ] ، أي : يحصلها لكن لسرعة مبادرة النفس إليها بالجبلة الأصلية شبه حصولها بإصابة السهم للغرض ، والأظهر أنه حال مقدرة أي : يقصد إصابتها ، وفيه إيماء إلى أنه لو طلب الدنيا لأن يستعين بها على الأخرى فلا يذم مع أن تركها أولى لقول عيسى - عليه الصلاة والسلام - : يا طالب الدنيا لتبر تركك الدنيا أبر . [ ( أو امرأة يتزوجها ) ] : خصت بالذكر تنبيها على سبب الحديث ، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ كما رواه الطبراني بسند رجاله ثقات عن ابن مسعود : كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها : أم قيس فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر فهاجر فتزوجها . قال : فكنا نسميه مهاجر أم قيس ، وفيه إشارة إلى أنه مع كونه قصد في ضمن الهجرة سنة عظيمة أبطل ثواب هجرته فكيف يكون غيره ; أو دلالة على أعظم فتن الدنيا لقوله تعالى : ( زين للناس حب الشهوات من النساء ) . ولقوله عليه السلام : ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) لكن المرأة إذا كانت صالحة تكون خير متاعها ، ولقوله - عليه الصلاة والسلام - : ( الدنيا كلها متاع ، وخير متاعها المرأة الصالحة ) .

[ ( فهجرته إلى ما هاجر إليه ) ] أي : منصرفة إلى الغرض الذي هاجر إليه فلا ثواب له لقوله تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) أو المعنى فهجرته مردودة ، أو قبيحة . قيل : إنما ذم لأنه طلب الدنيا في صورة الهجرة فأظهر العبادة للعقبى ، ومقصوده الحقيقي ما كان إلا الدنيا فاستحق الذم لمشابهته أهل النفاق ، ولذا قال الحسن البصري لما رأى بهلوانا يلعب على الحبل : هذا أحسن من أصحابنا فإنه جمل الدنيا بالدنيا ، وأصحابنا يأكلون الدنيا بالدين . وقال ابن عبد السلام : متى اجتمع باعث الدنيا ، والآخرة فلا ثواب مطلقا للخبر ، وفي الصحيح : ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء هو للذي أشرك ) . قال الغزالي : يعتبر الباعث فإن غلب باعث الآخرة أثيب ، أو باعث الدنيا ، أو استويا لم يثب . قال ابن حجر : يؤخذ من قول الشافعي ، وأصحابه من حج بنية التجارة كان ثوابه دون ثواب المتخلي عنها أن القصد المصاحب للعبادة إن كان محرما كالرياء أسقطها مطلقا ، وهو محمل الحديث المذكور كما يصرح به لفظه ، أو غير محرم أثيب بقدر قصده الآخرة أخذا بعموم قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) اهـ .

وهو تفصيل حسن ، وتعليل مستحسن هذا بلسان العلماء أرباب العبارة ، وأما بلسان العرفاء أصحاب الإشارة فمعناه مجملا أن أعمال ظاهر القالب متعلق بما يقع في القلوب من أنوار الغيوب ، والنية جمع الهم في تنفيذ العمل للمعمول له ، وأن لا يسنح في السر ذكر غيره ، وللناس فيما يعشقون مذاهب ، ثم نية العوام في طلب الأعراض مع نسيان الفضل ، والإعواض ، ونية الجاهل التحصين عن سوء القضاء ، ونزول البلاء ، ونية أهل النفاق التزين عند الناس مع إضمار الشقاق ، ونية العلماء إقامة الطاعات ، ونية أهل التصوف ترك الاعتماد على ما يظهر منهم من العبادات ، ونية أهل الحقيقة ربوبية تولت عبودية . وإنما لكل امرئ ما نوى من مطالب السعداء ، وهي الخلاص عن الدركات السفلى من الكفر ، والشرك ، والجهل ، والمعاصي ، والسمعة ، والرياء ، والأخلاق الذميمة ، وحجب الأوصاف ، والفوز بالدرجات العلا وهي المعرفة ، والتوحيد ، والعلم ، والطاعات ، والأخلاق المحمودة ، وجذبات الحق ، والفناء عن إنابته ، والبقاء بهويته ، أو من مقاصد الأشقياء ، وهي إجمالا ما يبعد [ ص: 48 ] عن الحق ، فمن كانت هجرته أي : خروجه من مقامه الذي هو فيه سواء كان استعداده الذي جبل عليه ، أو منزلا من منازل النفس ، أو مقاما من مقامات القلب إلى الله لتحصيل مراضيه ، وتحسين الأخلاق ، والتوجه إلى توحيد الذات ، ورسوله باتباع أعماله ، واقتفاء أخلاقه ، والتوجه إلى طلب الاستقامة في توحيد الصفات ، فهجرته إلى الله ورسوله فتخرجه العناية الإلهية من ظلمات الحدوث والفناء إلى أنوار الشهود ، والبقاء ، وتجذبه من حضيض العبودية إلى ذروة العندية ، ويفنى في عالم اللاهوت ، ويبقى بالحي الذي لا يموت ، ورجع إليه الأنس ، ونزل محلة القدس بدار القرار في جوار الملك الغفار ، وأشرقت عليه سبحات الوجه الكريم ، وحل بقلبه روح الرضا العميم ، ووجد فيها الروح المحمدي ، وأحبابا ، وعرف أن له مثوى ، ومآبا . ومن كانت هجرته لدنيا أي : لتحصيل شهوة الحرص على المال ، والجاه ، أو تحصيل لذة شهوة الفرج فيبقى مهجورا عن الحق في أوطان الغربة ، وديار الظلمة له نار الفرقة ، والقطيعة نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، وأنشد بعض المخلصين لبعض المخلطين :


يا غافل القلب عن ذكر المنيات عما قليل ستثوى بين أموات

    إن الحمام له وقت إلى أجل
فاذكر مصائب أيام ، وساعات

    لا تطمئن إلى الدنيا ، وزينتها
قد حان للموت يا ذا اللب أن يأتي

    وكن حريصا على الإخلاص في عمل
فإنما العمل الزاكي بنيات



قد ورد في مسند أبي يعلى الموصلي مرفوعا : ( إن الله تعالى يقول للحفظة يوم القيامة : اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر فيقولون ربنا لم نحفظ ذلك عنه ، ولا هو في صحيفتنا فيقول إنه نواه ) . ونقل الأستاذ أبو القاسم القشيري قدس الله سره العلي ، أن زبيدة رؤيت في المنام فقيل لها : ما فعل الله بك ؟ فقالت : غفر لي ، فقيل لها : بكثرة عمارتك الآبار ، والبرك ، والمصانع في طريق مكة ، وإنفاقك فيها ؟ فقالت : هيهات هيهات ذهب ذلك كله إلى أربابه ، وإنما نفعنا منه النيات فغفر لي بها ، اللهم فأحسن نياتنا ، ولا تؤاخذنا بنياتنا ، واختم بالخير منياتنا . ( متفق عليه ) أي : اتفق البخاري ، ومسلم على روايته ، ويعبر عن هذا القسم بالمتفق عليه أي : بما اتفق عليه الشيخان لا بما اتفقت عليه الأمة ، لكن اتفاقها عليه لازم ذلك لاتفاقها على تلقي ما اتفق عليه بالقبول ، وكذلك أخرجه الأربعة بقية الستة . وقيل : لم يبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك ، ففي الجملة حديث مشهور مجمع على صحته ، ومما ذكره ابن ماكولا ، وغيره من التكلم فيه لا يلتفت إليه ، وما قيل إنه متواتر غير صحيح فإنه لم يروه من طريق صحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عمر ، ولم يروه عن عمر إلا علقمة ، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي ، ولم يروه عنه إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم تواتر عنه بحيث رواه عنه أكثر من مائة إنسان أكثرهم أئمة . وقال جماعة من الحفاظ : إنه رواه عنه سبعمائة إنسان من أعيانهم مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والليث بن سعد ، وحماد بن زيد ، وسعيد ، وابن عيينة . وقد روى هذا الحديث عن عمر تسعة غير علقمة ، وعن علقمة اثنان غير التيمي ، وعن التيمي خمسة غير يحيى ، فالحديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلى أوله ، ثم اعلم أن جمعا من المحدثين ، وغيرهم ذهبوا إلى أن جميع ما وقع مسندا في الصحيحين ، أو أحدهما من الأحاديث يقطع بصحته لتلقي الأمة له بالقبول من حيث الصحة ، وكذا العمل ما لم يمنع منه نحو نسخ ، أو تخصيص ، وإجماع هذه الأمة معصوم عن الخطأ كما قال - عليه الصلاة والسلام - ، فقبولها للخبر الغير المتواتر يوجب العلم النظري ، وعبارة الأستاذ ، أبي إسحاق الإسفراييني : أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ، ومتونها ، ولا يحصل الخلاف فيها بحال ، وإن حصل اختلاف فذلك اختلاف في طرقها ، ورواتها ، فمن خالف حكمه خبرا منهما [ ص: 49 ] وليس له تأويل سائغ نقضنا حكمه . وقال إمام الحرمين : أجمع علماء المسلمين على صحتهما ، وقد قال عطاء : الإجماع أقوى من الإسناد فإذن أفاد العلم ، وقال الأكثرون ، والمحققون : صحتهما ظنية ؛ لأن أخبارهما آحاد ، وهي لا تفيد إلا الظن ، وإن تلقتها الأئمة بالقبول ؛ لأنهم تلقوا بالقبول ما ظنت صحته من غيرهما ، ولأن تصحيح الأئمة للخبر المستجمع لشروط الصحة إنما هو باعتبار الظاهر ؛ ولأن فيهما نحو مائتي حديث مسند طعن في صحتها ، فلم تتلق الأمة كلها ما فيهما بالقبول لكن بعض القائلين بالأول استثنوا هذه . قال شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني : والتحقيق أن الخلاف لفظي ؛ لأن من أطلق عليهما العلم بالصحة جعله نظريا ، وهو الناشئ عن الاستدلال ، ومن أبى هذا الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر ، وما عداه عنده ظن ، واختلفوا هل يمكن التصحيح ، والتحسين ، والتضعيف في الأعصار المتأخرة ؟ واختار ابن الصلاح أنه لا يمكن بل يقتصر على ما نص عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة ، ورده النووي ، وتبعوه ، وأطالوا في بيان رده ، ومن ثم صحح جماعة من معاصريه كالقطان ، والضياء المقدسي ، ثم المنذري ، والدمياطي طبقة بعد طبقة . قيل : ولعله إنما اختار حسم المادة لئلا يتطفل على ذلك بعض الجهلة . قلت : ومن هذا القبيل اختلافهم هل يمكن لأحد الاجتهاد المطلق في الأزمنة المتأخرة ; فقيل : يمكن ، وقيل : لا . والخلاف لفظي لأن الإمكان أمر عقلي ، ومنعه أمر عادي ، والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث