الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


قال : وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : التواضع للدين . وهو أن لا يعارض بمعقول منقولا . ولا يتهم للدين دليلا . ولا يرى إلى الخلاف سبيلا .

التواضع للدين ، هو الانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، والاستسلام له ، والإذعان . وذلك بثلاثة أشياء .

الأول : أن لا يعارض شيئا مما جاء به بشيء من المعارضات الأربعة السارية في العالم ، المسماة : بالمعقول ، والقياس ، والذوق ، والسياسة .

فالأولى : للمنحرفين أهل الكبر من المتكلمين ، الذين عارضوا نصوص الوحي بمعقولاتهم الفاسدة . وقالوا : إذا تعارض العقل والنقل : قدمنا العقل . وعزلنا النقل . إما عزل تفويض ، وإما عزل تأويل .

والثاني : للمتكبرين من المنتسبين إلى الفقه ، قالوا : إذا تعارض القياس والرأي والنصوص : قدمنا القياس على النص . ولم نلتفت إليه .

والثالث : للمتكبرين المنحرفين من المنتسبين إلى التصوف والزهد . فإذا تعارض عندهم الذوق والأمر . قدموا الذوق والحال . ولم يعبأوا بالأمر .

والرابع : للمتكبرين المنحرفين من الولاة والأمراء الجائرين . إذا تعارضت عندهم الشريعة والسياسة . قدموا السياسة . ولم يلتفتوا إلى حكم الشريعة .

فهؤلاء الأربعة : هم أهل الكبر . والتواضع : التخلص من ذلك كله .

الثاني : أن لا يتهم دليلا من أدلة الدين ، بحيث يظنه فاسد الدلالة ، أو ناقص الدلالة ، أو قاصرها ، أو أن غيره كان أولى منه . ومتى عرض له شيء من ذلك فليتهم فهمه ، وليعلم أن الآفة منه ، والبلية فيه ، كما قيل :

[ ص: 319 ]

وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم     ولكن تأخذ الأذهان منه على قدر القرائح والفهوم

وهكذا الواقع في الواقع حقيقة : أنه ما اتهم أحد دليلا للدين إلا وكان المتهم هو الفاسد الذهن . المأفون في عقله ، وذهنه . فالآفة من الذهن العليل . لا في نفس الدليل .

وإذا رأيت من أدلة الدين ما يشكل عليك ، وينبو فهمك عنه فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك ، وأن تحته كنزا من كنوز العلم . ولم تؤت مفتاحه بعد . هذا في حق نفسك .

وأما بالنسبة إلى غيرك : فاتهم آراء الرجال على نصوص الوحي ، وليكن ردها أيسر شيء عليك للنصوص ، فما لم تفعل ذلك فلست على شيء . ولو . . ولو . . وهذا لا خلاف فيه بين العلماء .

قال الشافعي ، قدس الله روحه : أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم : لم يحل له أن يدعها لقول أحد .

الثالث : أن لا يجد إلى خلاف النص سبيلا ألبتة . لا بباطنه ، ولا بلسانه ولا بفعله . ولا بحاله . بل إذا أحس بشيء من الخلاف : فهو كخلاف المقدم على الزنا ، وشرب الخمر ، وقتل النفس . بل هذا الخلاف أعظم عند الله من ذلك . وهو داع إلى النفاق . وهو الذي خافه الكبار . والأئمة على نفوسهم .

واعلم أن المخالف للنص - لقول متبوعه وشيخه ومقلده ، أو لرأيه ومعقوله ، وذوقه ، وسياسته . إن كان عند الله معذورا ، ولا والله ما هو بمعذور - فالمخالف لقوله ، لنصوص الوحي أولى بالعذر عند الله ورسوله ، وملائكته . والمؤمنين من عباده .

فواعجبا إذا اتسع بطلان المخالفين للنصوص لعذر من خالفها تقليدا ، أو تأويلا ، أو لغير ذلك . فكيف ضاق عن عذر من خالف أقوالهم ، وأقوال شيوخهم . لأجل موافقة النصوص ؟ وكيف نصبوا له الحبائل . وبغوه الغوائل . ورموه بالعظائم . وجعلوه أسوأ حالا من أرباب الجرائم ؟ فرموه بدائهم وانسلوا منه لواذا . وقذفوه بمصابهم . وجعلوا تعظيم المتبوعين ملاذا لهم ومعاذا . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث