الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل حكم الصوم المؤقت إذا فات عن وقته

جزء التالي صفحة
السابق

وأما بيان شرائط وجوبه فمنها القدرة على القضاء حتى لو فاته صوم رمضان بعذر المرض أو السفر ولم يزل مريضا أو مسافرا حتى مات لقي الله ولا قضاء عليه ، لأنه مات قبل وجوب القضاء عليه ، لكنه إن أوصى بأن يطعم عنه صحت وصيته وإن لم يجب عليه ، ويطعم عنه من ثلث ماله لأن صحة الوصية لا تتوقف على الوجوب كما لو أوصى بثلث ماله للفقراء أنه يصح ، وإن لم يجب عليه شيء كذا هذا فإن برئ المريض أو قدم المسافر وأدرك من الوقت بقدر ما فاته يلزمه قضاء جميع ما أدرك ، لأنه قدر على القضاء لزوال العذر ، فإن لم يصم حتى أدركه الموت فعليه أن يوصي بالفدية وهي أن يطعم عنه لكل يوم مسكينا لأن القضاء قد وجب عليه ثم عجز عنه بعد وجوبه بتقصير منه فيتحول الوجوب إلى بدله وهو الفدية .

والأصل فيه ما روى أبو مالك الأشجعي { أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل أدركه رمضان وهو شديد المرض لا يطيق الصوم فمات هل يقضى عنه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن مات قبل أن يطيق الصيام فلا يقضى عنه ، وإن مات وهو مريض وقد أطاق الصيام في مرضه ذلك فليقض عنه } .

والمراد منه القضاء بالفدية لا بالصوم لما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه موقوفا عليه ومرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : لا يصومن أحد عن أحد ولا يصلين أحد عن أحد } ولأن ما لا يحتمل النيابة حالة الحياة لا يحتمل بعد الموت كالصلاة .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مفسرا أنه قال { : من مات وعليه قضاء رمضان أطعم عنه وليه } وهو محمول على ما إذا أوصى أو على الندب إلى غير ذلك وإذا أوصى بذلك يعتبر من الثلث وإن لم يوص فتبرع به الورثة جاز وإن لم يتبرعوا لم يلزمهم ، وتسقط في حق أحكام الدنيا عندنا .

وعند الشافعي يلزمهم من جميع المال سواء أوصى به أو لم يوص .

والاختلاف فيه كالاختلاف في الزكاة ، والصحيح قولنا لأن الصوم عبادة والفدية بدل عنها ، والأصل لا يتأدى بطريق النيابة فكذا البدل والبدل لا يخالف الأصل والأصل فيه أنه لا يجوز أداء العبادة عن غيره بغير أمره ، لأنه يكون جبرا والجبر ينافي معنى العبادة على ما بينا في كتاب الزكاة هذا إذا أدرك من الوقت بقدر ما فاته فمات قبل أن يقضي ، فأما إذا أدرك بقدر ما يقضي فيه البعض دون البعض بأن صح المريض أياما ثم مات ذكر في الأصل أنه يلزمه القضاء بقدر ما صح ، ولم يذكر الخلاف حتى لو مات [ ص: 104 ] لا يجب عليه أن يوصي بالإطعام لجميع الشهر بل لذلك القدر الذي لم يصمه وإن صامه فلا وصية عليه رأسا .

وذكر الطحاوي هذه المسألة على الاختلاف فقال في قول أبي حنيفة : يلزمه قضاء الجميع إذا صح يوما واحدا حتى يلزمه الوصية بالإطعام لجميع الشهر إن لم يصم ذلك اليوم ، وإن صامه لم يلزمه شيء بالإجماع ، وعند محمد يلزمه بقدر ما أدرك وما ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أن ما ذكره محمد في الأصل قول جميع أصحابنا ، وما أثبته الطحاوي من الاختلاف في المسألة غلط ، وإنما ذلك في مسألة النذر ، وهي أن المريض إذا قال : لله علي أن أصوم شهرا .

فإن مات قبل أن يصح لا يلزمه شيء ، وإن صح يوما واحدا يلزمه أن يوصي بالإطعام لجميع الشهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وعند محمد لا يلزمه إلا مقدار ما يصح على ما ذكره القدوري .

وإن كان مسألة القضاء على الاتفاق على ما ذكره القدوري فوجه هذا القول ظاهر لأن القدرة على الفعل شرط وجوب الفعل إذ لو لم يكن لكان الإيجاب تكليف ما لا يحتمله الوسع ، وأنه محال عقلا وموضوع شرعا ولم يقدر إلا على صوم بعض الأيام فلا يلزمه إلا ذلك القدر ، فإن صام ذلك القدر فقد أتى بما عليه فلا يلزمه شيء آخر ، وإن لم يصم فقد قصر فيما وجب عليه فيلزمه أن يوصي بالفدية لذلك القدر لا غير إذ لم يجب عليه من الصوم إلا ذلك القدر ، وإن كانت المسألتان على الاختلاف على ما ذكره الطحاوي فوجه قول محمد في المسألتين ما ذكرنا وهو لا يحتاج إلى الفرق بينهما ، لأن قوله فيهما واحد وهو أنه لا يلزمه من صوم القضاء والصوم المنذور به إلا قدر أيام الصحة حتى لا يلزمه الوصية بالإطعام فيهما إلا لذلك القدر .

وأما وجه قولهما فهو أن قدر ما يقدر عليه من الصوم يصلح له الأيام كلها على طريق البدل ، لأن كل يوم صالح للصوم فيجعل كأنه قدر على الكل فإذا لم يصم لزمته الوصية بالفدية للكل ، وإذا صام فيما قدر وصار قدر ما صام مستحقا للوقت فلم يبق صالحا لوقت آخر فلم يكن القول بوجوب الكل على البدل فلا يلزمه الوصية بالفدية للكل ، ومنها أن لا يكون في القضاء حرج لأن الحرج منفي بنص الكتاب .

وأما وجوب الأداء في الوقت فهل هو شرط وجوب القضاء خارج الوقت ؟ فقد ذكرنا اختلاف المشايخ في ذلك وخرجنا ما يتصل به من المسائل على القولين ما فيه اتفاق ، وما فيه اختلاف .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث