الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                      ( إذا تخاصم اثنان فدعا أحدهما صاحبه إلى مجلس الحكم لزمته إجابته ) في الحضور معه إلى مجلس الحكم ( فإن استعدى الحاكم أحد على خصمه ) أي طلب منه إحضاره ( في البلد بما يتبعه الهمة لزمه ) أي الحاكم ( إحضاره ولو لم يحرر الدعوى ) لأن ضرر فوات الحق أعظم من حضور مجلس الحكم وقد حضر عمر وأبي عند زيد بن ثابت وحضر عمر وآخر عند شريح ، وسواء ( علم ) القاضي ( أن بينهما ) أي المستعدي والمستعدى عليه ( معاملة أو لم يعلم ) ذلك .

                                                                                                                      ( وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه ، أو لا يعامله كالفقير يدعي على ذي ثروة وهيبة فيبعث معه عونا يحضره وإن شاء ) القاضي ( بعث معه ) أي المستعدى ( قطعة من شمع أو طين مختوما بخاتمه أو في كاغد ونحوه فإذا بلغه لزمه الحضور ) إلى مجلس الشرع ليخرج من العهدة ( وإن شاء ) المستعدى عليه ( وكل ) [ ص: 328 ] من يقوم مقامه إن كره الحضور ( فإن امتنع ) المستعدى عليه من الحضور ( أو كسر الختم أعلم الوالي به فأحضره ) ولا يرخص له في تخلفه لئلا يكون وسيلة إلى ضياع الحقوق .

                                                                                                                      ( فإذا حضر ) بعد امتناعه ( وثبت امتناعه عزره ) القاضي ( إن رأى ذلك بحسب ما يراه من كلام وكشف رأس وضرب وحبس ) لأن التعزير إلى رأيه ( فإن اختفى ) المستعدى عليه ( بعث الحاكم من ينادي على بابه ثلاثا بأنه إن لم يحضر سمر بابه وختم عليه ) لتزول معذرته ( فإن لم يحضر وسأل المدعي أن يسمر عليه منزله ويختمه أجابه إليه ، فإن أصر ) على الامتناع ( حكم عليه كغائب ) عن البلد فوق مسافة القصر ويأتي في الباب بعده ( ولا يعدى حاكم في مثل ما لا تتبعه الهمة ) لما فيه من ضرر الحضور إلى مجلس الحكم بالشيء التافه الذي لا يعادله ( وفي عيون المسائل لا ينبغي للحاكم أن يسمع شكية أحد إلا ومعه خصمه ) بحيث يسمع شكواه ويرد جوابها ( وإن استعداه على القاضي قبله أو على من في معناه كالخليفة والعالم الكبير والشيخ المتبوع وكل من خيف تبذيله ونقص حرمته بإحضاره ) .

                                                                                                                      ومن ذلك لو كان بالبلد حاكما فأكثر واستعدى أحدهما على الآخر ( لم يعده حتى يحرر دعواه بأن يعرف ما يدعيه ويسأله عنه صيانة للقاضي ) ومن في معناه ( عن الامتهان فإن ذكر ) المستعدي ( أنه يدعي حقا من دين أو غصب أو رشوة أخذها منه على الحاكم راسله ) لأن ذلك طريق إلى استخلاص الحق ( فإن اعترف ) القاضي ومن في معناه ( بذلك أمره بالخروج من العمدة ) لأن الحق توجه عليه باعترافه ( وإن أنكر أحضره ) لأن ذلك تعين طريقا إلى استخلاص حق المدعي ( وإن ادعى ) المستعدى ( عليه ) أي على القاضي المعزول ( الجور في الحكم وكان للمدعي بينة ) بدعواه ( أحضره وحكم بالبينة ) .

                                                                                                                      إذا شهدت في وجه القاضي وثبتت عدالتها كسائر الدعاوى ( وإن لم تكن ) للمدعي ( بينة أو قال حكم علي بشهادة فاسقين فأنكر ) القاضي ( فقوله بغير يمين ) لأنه لو لم يقبل قوله في ذلك لتطرق المدعى عليهم إلى إبطال ما عليهم من الحقوق بالقول المذكور وفي ذلك ضرر عظيم واليمين تجب للتهمة والقاضي ليس من أهلها ( وإن قال حاكم معزول عدل لا يتهم كنت حكمت في ولايتي لفلان على فلان بحق وهو ممن يسوغ الحكم له ) بأن يكون ممن تقبل شهادته له .

                                                                                                                      ( قبل قوله ) أي الحاكم ( وأمضى ذلك الحق ولو لم يذكر ) الحاكم ( مستنده ) الذي حكم به ( ولو أن العادة تسجيل أحكامه وضبطها بشهود ) لأن عزله لا يمنع من قبول [ ص: 329 ] قوله كما لو كتب كتابا إلى قاض آخر ثم عزل ووصل الكتاب بعد عزله لزم المكتوب إليه قبول كتابه ، ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم أشبه حال ولايته ( ما لم يشتمل ) الحكم الذي أخبر به الحاكم بعد عزله .

                                                                                                                      ( على إبطال حكم حاكم فلو حكم ) حاكم ( حنفي برجوع واقف على نفسه فأخبر حنبلي أنه كان حكم قبل حكم الحنفي بصحة الوقف لم يقبل ) إخبار الحنبلي بالحكم المذكور قاله القاضي مجد الدين قال ابن نصر الله وهو تقييد حسن ينبغي اعتماده ، وكذلك قال في المبدع وهو حسن ( وإن أخبر حاكم حاكما آخر بحكم أو ثبوت في عملهما أو في غيره ) أي غير عملهما ( أو في عمل أحدهما ) دون الآخر ( قبل ) المخبر ( وعمل به ) المخبر بفتح الباء ( إذا بلغ عمله ) كما لو أخبره بحكمه بعد عزله و ( لا ) يقبل المخبر بفتح الباء ، ولا يعمل إذا أخبره بأنه ثبت عنده .

                                                                                                                      كذا ولم يحكم به ( مع حضور المخبر ) بكسر الباء ( وهما بعملهما ) لأن ذلك كنقل الشهادة فاعتبر فيه ما يعتبر في الشهادة .

                                                                                                                      وفي كلام المصنف شيء يزول بما قدرته ولعله سقط من الكاتب ( وكذا إخبار أمير جهاد وأمين صدقة وناظر وقف ) بعد عزله بما صدر منه في حال ولايته فإنه يقبل منه .

                                                                                                                      قال في الانتصار : كل من صح منه إنشاء أمر صح إقراره به ( وإن قال ) الحاكم ( في ولايته كنت حكمت لفلان بكذا قبل قوله سواء قال قضيت عليه بشاهدين عدلين أو قال سمعت ببينة وعرفت عدالتهم أو قال قضيت عليه بنكوله أو أقر عندي لفلان بحق فحكمت به ) أو قال حكمت ولم يضفه إلى بينة ولا غيرها لأنه يملك الحكم فملك الإقرار به كالزوج إذا أقر بالطلاق والسيد إذا أخبر بالعتق .

                                                                                                                      ( بالعتق وإن ادعى على امرأة برزة وهي التي تبرز لحوائجها أحضرها ) لعدم العذر ( ولا يعتبر لإحضارها في سفرها هذا ) إن كان ( محرم ) لتعينه عليها ( كسفر الهجرة ) ولأنه حق آدمي وهو مبني على الشح والضيق ( وإن كانت ) المرأة المدعى عليها ( مخدرة ) لا تبرز لقضاء حوائجها ( أمرت بالتوكيل ) لأن الوكيل يقوم مقامها فلم تبذل من غير حاجة ولم يحضرها لما فيه من المشقة والضرر .

                                                                                                                      ( فإن توجهت اليمين عليها بعث الحاكم أمينا معه شاهدان يستحلفها بحضرتهما ) لأن إحضارها غير مشروع واليمين لا بد منها وهذا طريقه ( وإن أقرت ) بشيء ( شهد عليها ) به ليقضي الحاكم عليها لشهادتهما بطلب المدعي .

                                                                                                                      ( قال في الترغيب : إن خرجت للعزايا والزيارات ولم تكثر فهي مخدرة ) فلا يحضرها القاضي بل توكل ( ومريض ونحوه ) من ذوي الأعذار [ ص: 330 ] ( كمخدرة ) في أنه يؤمر بالتوكيل ولا يحضر للحرج والمشقة ( وإن استعدى عنده على غائب في غير عمله لم يعد عليه ) لأنه ليس مولى عليه .

                                                                                                                      ( وإن كان ) الغائب ( في عمله ) أي القاضي ( وكان له ) أي القاضي ( في بلده ) الذي به الغائب ( خليفة ) أي نائب ( فإن كانت له ) أي المدعي ( بينة حاضرة وثبت الحق عنده ) أي القاضي ( كتب به ) أي بما ثبت عنده ( إلى خليفته ) كما يكتب لغيره ( ولم يحضره ) أي الغائب لعدم الفائدة في إحضاره إذن ( وإن لم يكن له ) أي القاضي ( فيه ) أي البلد الذي به الغائب ( خليفة وكان فيه من يصلح للقضاء أذن له في الحكم بينهما ) فيكون نائبا عنه في تلك القضية .

                                                                                                                      ( وإن لم يكن فيه من يصلح ) للقضاء ( كتب ) القاضي ( إلى ثقات من أهل ذلك الموضع ليتوسطوا به بينهما ) لأن ذلك طريق إلى قطع الخصومة مع عدم المشقة الحاصلة بالإحضار ( فإن لم يقبلا ) أي الخصمان ( الوساطة ) أو تعذر من يتوسط بينهما .

                                                                                                                      ( قيل ) أي قال القاضي ( له ) أي المدعي ( حرر دعواك فإذا تحررت ) دعواه ( أحضر خصمه ولو بعدت المسافة ) لأنه لا بد من فصل الخصومة وقد تعين بذلك .

                                                                                                                      ( ولو ادعى قبله شهادة لم تسمع دعواه ولم يعد عليه ولم يحلف ) إذا أنكر خلافا للشيخ تقي الدين وقال لو قال أنا أعلمها ولا أؤديها فظاهر ولو نكل لزمه ما ادعى به إن قبل ضمانها موجب بضمان ما تلف ولا يبعد كما يضمن من ترك الإطعام الواجب كونه لا يحصل المقصود لفسقه وكتمانه لا يبقى ضمانه في نفس الأمر واحتج القاضي بالأول على أن الشهادة ليست حقا على الشاهد ذكره في الفروع .

                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                      الخدمات العلمية