الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة الشهادة على العدو

جزء التالي صفحة
السابق

1794 - مسألة : ومن شهد على عدوه نظر ، فإن كان تخرجه عداوته له إلى ما لا يحل فهي جرحة فيه ترد شهادته لكل أحد ، وفي كل شيء - وإن كان لا تخرجه عداوته إلى ما لا يحل فهو عدل يقبل عليه - وهذا قول أبي سليمان ، وأصحابنا .

وقال أبو حنيفة : لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره في شيء أصلا - وهو قول الأوزاعي .

وقال مالك كذلك ، إلا أن يكون عدلا مبرزا في العدالة ، إلا أن يكون في عياله فلا تجوز شهادته له .

وقال الشافعي : لا تجوز شهادة الأجير لمن استأجره فيما استأجره فيه خاصة ، وتجوز له فيما عدا ذلك - وهو قول سفيان الثوري ، وأبي ثور .

وكذلك قالوا : في الوكيل سواء سواء .

وقال مالك : إن كان منضافا إليه لم يقبل له ، ولم تجز شهادة العدو على عدوه .

وقال أبو حنيفة ، ومالك : لا تقبل شهادة الخصم ، لا للذي وكله ، ولا للذي وكل على أن يخاصمه .

وقال أبو حنيفة ، والشافعي : تجوز شهادة الفقراء والسؤال [ ص: 511 ]

وقال مالك : لا تجوز إلا في الشيء اليسير .

وقال ابن أبي ليلى : لا تقبل شهادة فقير - وأشار شريك إلى ذلك .

قال أبو محمد : كل من ذكرنا في هؤلاء مقبولون لكل من ذكرنا ، كالأجنبيين ولا فرق .

واحتج المخالف بما روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه { لا تجوز شهادة ذي غمر على أخيه ، ولا تجوز شهادة الظنة ، ولا الإحنة ولا شهادة خصم ، ولا ظنين ، ولا القانع من أهل البيت لهم } .

وصح عن شريح : لا تجوز عليك شهادة الخصم ، ولا الشريك ، ولا الأجير لمن استأجره .

وروي عن الشعبي - ولم يصح - لا أجيز شهادة وصي ، ولا ولي ، لأنهما خصمان .

وصح عن إبراهيم : لا تجوز شهادة الشريك لشريكه فيما بينهما ، وتجوز له في غير ذلك .

وعن شريح مضت السنة في الإسلام : أنه لا تجوز شهادة خصم .

ومن طريق ابن سمعان - وهو كذاب - لم يكن السلف يجيزون شهادة القانع

قال أبو محمد : القانع السائل ، وصح عن ربيعة : ترد شهادة الخصم ، والظنين في خلائقه ، وشكله ، ومخالفته العدول في سيرته - وإن لم يوقف منه على غير ذلك - وترد شهادة العدو على عدوه .

وعن يحيى بن سعيد الأنصاري : ترد شهادة العدو على عدوه .

هذا كل ما يذكر في ذلك عمن سلف .

قال أبو محمد : أما الآثار في ذلك فكلها باطل ; لأن بعضها مروي منقطع ، ومن طريق إسحاق بن راشد - وليس بالقوي - .

أو من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي - وهو مذكور بالكذب - وصفه بذلك مالك ، وغيره .

أو من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - وهي صحيفة . [ ص: 512 ]

أو مرسل من طريق عبد الرحمن بن فروخ .

أو مرسل من طريق إسحاق بن عبد الله عن يزيد بن طلحة - ولا يدرى من هما في الناس .

أو مرسلان : من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد .

ومن طريق ابن سمعان ، وقد كذبهما مالك ، وغيره .

أو من طريق يزيد الجزري - وهو مجهول - فإن كان ابن سنان - فهو مذكور بالكذب .

أو مرسل من رواية عبد الله بن صالح - وهو ضعيف .

وكل هذا لا يحل الاحتجاج به .

ثم لو صحت لكانت مخالفة لهم ; لأن فيها أن لا تجوز شهادة ذي الغمر على أخيه مطلقا عاما - وهو قولنا - وهم يمنعونها من القبول على عدوه فقط ، ويجيزونها على غيره - وهذا خلاف لتلك الآثار .

وأما شهادة الخصم : فإن المدعي لنفسه المخاصم لا تقبل دعواه لنفسه بلا شك .

فبطل تعلقهم بتلك الآثار لو صحت ، فكيف وهي لا تصح .

ثم وجدنا الله تعالى قد قال : { ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى } فأمرنا الله عز وجل بالعدل على أعدائنا .

فصح أن من حكم بالعدل على عدوه أو صديقه أو لهما ، أو شهد - وهو عدل - على عدوه أو صديقه أو لهما ، فشهادته مقبولة وحكمه نافذ - وبالله تعالى التوفيق .

وما نعلم أحدا سبق مالكا إلى القول برد شهادة الصديق الملاطف .

وأما من رد شهادة الفقير فعظيمة ، قال الله تعالى : { للفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا } - إلى قوله - : { أولئك هم الصادقون } فمن رد شهادة هؤلاء لخاسر ، وإن من خصهم دون سائر الفقراء لمتناقض - وبالله تعالى التوفيق .

وما نعلم لهم في هذه الأقوال سلفا من الصحابة رضي الله عنهم أصلا .

وأطرف شيء قول ربيعة : ترد شهادة من خالف العدول في سيرته وإن لم يوقف [ ص: 513 ] منه على غير ذلك - : فهذا عجب جدا ، لا ندري من أين أطلقه في دين الله عز وجل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث