الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق الآيات .

                                                                                                                                                                                                                                      أخرج أحمد، وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وابن منده، وابن مردويه، بسند جيد عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت : يا رسول الله : أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته وترسل إلي يا رسول الله رسولا لإبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة . فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وقت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة . فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول الله [ ص: 546 ] صلى الله عليه وسلم فقال : إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا : هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم : إلى من بعثتم؟ قالوا : إليك قال : ولم؟ قالوا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال : لا والذي بعث محمدا بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني . فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال : لا والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا رآني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله . فنزل : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا إلى قوله : حكيم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الطبراني، وابن منده، وابن مردويه، عن علقمة بن ناجية قال : بعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط يصدق أموالنا فسار حتى إذا كان قريبا منا، وذلك بعد وقعة المريسيع رجع فركبت في أثره، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أتيت قوما في جاهليتهم أخذوا اللباس ومنعوا [ ص: 547 ] الصدقة فلم يغير ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزلت الآية يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فأتى المصطلقون إلى النبي صلى الله عليه وسلم إثر الوليد بطائفة من صدقاتهم .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج الطبراني في الأوسط، عن جابر بن عبد الله قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني وليعة، وكانت بينهم شحناء في الجاهلية، فلما بلغ بني وليعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه، فخشي القوم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني وليعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة . فلما بلغ بني وليعة الذي قال الوليد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله لقد كذب الوليد، قال : وأنزل الله في الوليد يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن راهويه، وابن جرير والطبراني ، وابن مردويه، عن أم سلمة قالت : بعث النبي صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدق أموالهم فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني المصطلق منعوا صدقاتهم فبلغ القوم رجوعه فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلا مصدقا فسررنا بذلك وقرت أعيننا ثم إنه رجع من بعض الطريق فخشينا أن يكون ذلك غضبا من الله ورسوله . ونزلت ! [ ص: 548 ] يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن جرير ، وابن مردويه، والبيهقي في "سننه"، وابن عساكر عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق

                                                                                                                                                                                                                                      ليأخذ منهم الصدقات وإنه لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا ليتلقوا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه رجع فقال : يا رسول الله إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك غضبا شديدا فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا : يا رسول الله إنا حدثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق وإنا خشينا أن يكون إنما رده كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ الآية .


                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج آدم، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر ، والبيهقي عن مجاهد قال : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليصدقهم فتلقوه بالهدية فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني المصطلق [ ص: 549 ] جمعوا لك ليقاتلوك فأنزل الله إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم : الوليد بن عقبة إلى بني وليعة، وكانت بينهم شحناء في الجاهلية، فلما بلغ بني وليعة استقبلوه لينظروا ما في نفسه فخشي القوم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني وليعة أرادوا قتلي ومنعوني الصدقة، فلما بلغ بني وليعة الذي قال لهم الوليد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله لقد كذب الوليد، ولكن كانت بيننا وبينه شحناء فخشينا أن يكافئنا بالذي كان بيننا فأنزل الله في الوليد : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن الحسن أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله إن بني فلان - حيا من أحياء العرب - وكان في نفسه عليهم شيء وكانوا حديثي عهد بالإسلام قد تركوا الصلاة وارتدوا وكفروا بالله، قال : فلم يعجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا خالد بن الوليد فبعثه إليهم ثم قال : ارمقهم عند الصلوات، فإن كان القوم قد تركوا الصلاة فشأنك بهم، [ ص: 550 ] وإلا فلا تعجل عليهم . قال : فدنا منهم عند غروب الشمس، فكمن حيث يسمع الصلاة، فرمقهم فإذا هو بالمؤذن قد قام حين غروب الشمس فأذن ثم أقام الصلاة فصلوا المغرب فقال خالد بن الوليد : ما أراهم إلا يصلون فلعلهم تركوا صلاة غير هذه الصلاة ثم كمن حتى إذا جنح الليل وغاب الشفق أذن مؤذنهم فصلوا، قال : فلعلهم تركوا صلاة أخرى . فكمن حتى إذا كان في جوف الليل تقدم حتى أطل الخيل بدورهم، فإذا القوم تعلموا شيئا من القرآن فهم يتهجدون به من الليل ويقرأونه ثم أتاهم عند الصبح، فإذا المؤذن حين طلع الفجر قد أذن وأقام، فقاموا فصلوا، فلما انصرفوا وأضاء لهم النهار إذا هم بنواصي الخيل في ديارهم فقالوا : ما هذا قالوا : هذا خالد بن الوليد وكان رجلا مشبعا فقالوا يا خالد : ما شأنك قال : أنتم والله شأني أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له : إنكم تركتم الصلاة وكفرتم بالله فجثوا يبكون وقالوا : نعوذ بالله أن نكفر أبدا، قال : فصرف [ ص: 551 ] الخيل وردها عنهم حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما قال الحسن : فوالله لئن كانت نزلت في هؤلاء القوم خاصة إنها لمرسلة إلى يوم القيامة ما نسخها شيء .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق يصدقهم، فلم يبلغهم ورجع، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إنهم عصوا فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجهز إليهم إذ جاء رجل من بني المصطلق، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : سمعنا أنك أرسلت إلينا ففرحنا به واستبشرنا به، وإنه لم يبلغنا رسولك وكذب، فأنزل الله فيه وسماه فاسقا يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة : يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ قال : هو ابن أبي معيط الوليد بن عقبة بعثه نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق مصدقا، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد وأمره أن يتثبت ولا يعجل فانطلق حتى أتاهم ليلا فبعث عيونه، فلما [ ص: 552 ] جاءهم أخبروه أنهم متمسكون بالإسلام وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى ما يعجبه فرجع إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فأنزل الله في ذلك القرآن، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : التبين من الله والعجلة من الشيطان .

                                                                                                                                                                                                                                      وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله : إن جاءكم فاسق بنبإ الآية قال : إذا جاءك فحدثك أن فلانا أن فلانة يعملون كذا وكذا من مساوئ الأعمال فلا تصدقه .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية