الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ومنها أن يكون أكثر اهتمامه بعلم الباطن ومراقبة القلب ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه وصدق الرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة فإن المجاهدة تفضي إلى المشاهدة، ودقائق علوم القلب تنفجر بها ينابيع الحكمة من القلب وأما الكتب والتعليم فلا تفي بذلك بل الحكمة الخارجة عن الحصر والعد إنما تتفتح بالمجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة والجلوس مع الله عز وجل في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكرة والانقطاع إلى الله تعالى عما سواه فذلك مفتاح الإلهام ومنبع الكشف فكم من متعلم طال تعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة وكم من مقتصر على المهم في التعلم ومتوفر على العمل .ومراقبة القلب فتح الله له من لطائف الحكمة ما تحار فيه عقول ذوي الألباب ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وفي الكتب السالفة يا بني إسرائيل لا تقولوا: العلم في السماء من ينزل به ؟ ولا في تخوم الأرض، من يصعد به ؟ ولا من وراء البحار، من يعبر يأتي به ؟ العلم مجعول في قلوبكم، تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين، وتخلقوا إلي بأخلاق الصديقين، أظهر العلم في قلوبكم حتى يغطيكم ويغمركم .

وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله: خرج العلماء والعباد والزهاد من الدنيا وقلوبهم مقفلة ولم تفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء، ثم تلا قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الآية. ولولا أن إدراك قلب من له قلب بالنور الباطن حاكم على علم الظاهر لما قال صلى الله عليه وسلم :استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك وأفتوك . وقال صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه عن ربه عز وجل : :لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت له سمعه الذي يسمع به. الحديث

التالي السابق


(ومنها) أي ومن علامات علماء الآخرة (أن يكون أكثر اهتمامه) واعتنائه (بعلم الباطن) وهو العلم بالله عز وجل، الدال على الله الشاهد بالتوحيد له من علم الإيمان واليقين وعلم المعرفة، والمعاملة دون سائر علوم الفتيا والأحكام، وبذلك فضل على العمل، وفضل صاحبه على غيره في قولهم: ذرة من علم أفضل من كذا وكذا من العمل، وركعتان من عالم أفضل من ألف ركعة من عابد، وغير ذلك من الأحاديث والآثار التي تقدم ذكرها في أول الكتاب، (و) من علاماته أن يكون مهتما في (مراقبة القلب) ومحافظته من مداخلة الوساوس، ومخالطة النفثات الشيطانية، (و) أن يكون مهتما في (معرفة طريق الآخرة و) كيفية (سلوكه) بواسطة مرشد كامل أو عارف حاذق يستفيد ذلك بمجالسته، (وصدق الرجاء) وتحقيق الأمنية (في انكشاف ذلك) وتحصيله (من المجاهدة) الباطنية بالرياضات الشرعية، (والمراقبة) مع الله تعالى بذكره دائما (فإن المجاهدة) أساس هذا السلوك، ولا يتم الأمر إلا بها وهي (تفضي) وتوصل (إلى) مقام (المشاهدة في دقائق) أسرار (علم القلب وتنفجر بها) أي بالمجاهدة (ينابيع الحكمة من القلب) وإليه الإشارة بما ورد: من أخلص لله أربعين يوما تفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه; لأن إخلاص العبودية للربوبية وإخلاص الأعمال من الهوى الدنيوي هو عين المجاهدة، والنور إذا جعل في الصدر انشرح القلب بالعلم، ونظر باليقين فنطق به اللسان، بحقيقة البيان وهو الحكمة التي أودعها الله عز وجل في قلوب أوليائه، (أما كتب التعليم) وما استودع فيها مما سمعه من غيره عمن قدم طريقه السميع ومفتاحه الاستدلال، وخزائنه العقل يتلقاها الصغير عن الكبير باقية ببقاء الإسلام، وهي محجة العموم من خلق الله تعالى، (فلا تفي بذلك) ولا ترشد السالك، (بل الحكمة) الإلهية (الخارجة عن الحصر والعد إنما تنفتح) وتنكشف (بالمجاهدة والمراقبة) في القلب، (ومباشرة الأعمال الظاهرة) على قوانين الشريعة، (والباطنة) على ميزان الطريقة، (والجلوس مع الله تعالى) بغاية الخشوع والخشية (مع حضور القلب) ; لكونه خزانة الملكوت وهو باب علم الباطن، ويكون ذلك (بصافي الفكر) وخالصه عن المكدرات الظاهرية والباطنية، (والانقطاع إلى الله تعالى) في جميع أحواله (عما سواه فذلك مفتاح الإلهام) الرباني (ومنبع الكشف الصمداني) يرشدك إليه قوله عز وجل: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا (وكم من متعلم) في العلوم الظاهرة، (طال تعلمه) وامتد طلبه حتى أضاع لياليه وأيامه، (ولم يقدر على مجاوزة مسموعه) الذي تلقفه عن الشيوخ والكتب (بكلمة) واحدة كما هو مشاهد في كثير من علماء العصر فتراهم يقفون فيما سمعوه ويترددون بأنواع المجاورات ولا يكادون أن يتجاوزوا، (وكم من مقتصر على) تحصيل (المهم في) قوانين (التعلم ومتوفر على العمل) أي بمباشرته، (و) مقبل على (مراقبة القلب) بخالص فكره (فتح الله عز وجل عليه) في أدنى زمان وأقرب أوان (من لطائف الحكم) ودقائقها (ما تحار فيه عقول ذوي الألباب) موهبة من الله تعالى، كما اتفق ذلك لكثير من الأولياء العارفين، ممن علومهم مأخوذة عن الله تعالى، وفي القوت: أهل الذكر لله تعالى، وأهل التوحيد والعمل لله تعالى لم يكونوا يتلقون هذا العلم دراسة من الكتب، ولا يتلقاه بعضهم عن بعض بالألسنة، إنما كانوا أهل عمل وحسن معاملات وكان أحدهم إذا انقطع إلى الله تعالى، واشتغل به واستعمله المولى بخدمته بأعمال القلوب، وكانوا عنده في الخلوة بين يديه لا يذكرون سواه، ولا يشتغلون بغيره، فإذا ظهروا للناس فسألوهم ألهمهم الله تعالى رشدهم ووفقهم لتسديد قولهم، وآتاهم الحكمة ميراثا لأعمالهم الباطنة، عن قلوبهم الصافية وعقولهم الزاكية وهممهم العالية، فأمرهم بحسن توفيقه إذ ألهمهم حقيقة العلم وأضلعهم على مكنون السر حتى آثروه بالخدمة، وانقطعوا إليه بحسن المعاملة فكانوا يجيبون عما عنه يسئلون بحسن أثرة الله تعالى وجميل أثره [ ص: 403 ] عندهم فتكلموا بعين القدرة، وأظهروا وصف الحكمة، ونشروا علوم الإيمان، وكشفوا بواطن القرآن، وهذا هوالعلم النافع الذي يقربه إلى ربه، ويكون من الموقنين، (ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم) رواه أبو نعيم في الحلية، من حديث أنس وضعفه .

قال العراقي: وأورده صاحب القوت بلا سند إلا أنه قال: بما يعلم بدل بما علم، وأخرج أبو نعيم في الحلية، في ترجمة أحمد بن أبي الحواري بسنده إليه، قال: التقى أحمد بن حنبل، وأحمد بن أبي الحواري، بمكة، فقال أحمد: حدثنا بحكاية سمعتها من أستاذك أبي سليمان الداراني، فقال: يا أحمد قل: سبحانه الله بلا عجب، فقال ابن حنبل: سبحانه الله وطولها بلا عجب، فقال ابن أبي الحواري، سمعت أبا سليمان يقول: إذا اعتقدت النفوس على ترك الآثام جالت في الملكوت وعادت إلى ذاك العبد بطرائق الحكمة، من غير أن يؤدي إليها عالم علما قال: فقام أحمد بن حنبل ثلاثا، وجلس ثلاثا، وقال: ما سمعت في الإسلام حكاية أعجب من هذه إلي ثم قال أحمد بن حنبل: حدثني يزيد بن هارون عن حميد الطويل، عن أنس رفعه: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، ثم قال لابن أبي الحواري: صدقت يا أحمد، وصدق شيخك، قال أبو نعيم: ذكر أحمد هذا الحديث عن بعض التابعين عن عيسى ابن مريم، فظن بعض الرواة أنه ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شواهده ما أخرج أبو نعيم من رواية نصير بن حمزة عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي رفعه: من زهد في الدنيا علمه الله بلا تعلم، وهداه بلا هداية، وجعله بصيرا، وكشف عنه العمى.

(وفي الكتب السالفة) ونص القوت: وروينا في بعض الأخبار أن في بعض الكتب المنزلة (يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به، ولا في تخوم الأرض من يصعد به، ولا من وراء البحار من يعبره) (يأتي به العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين) أي الملائكة (وتخلقوا إلي بأخلاق الصديقين أظهر العلم في قلوبكم حتى يغطيكم فيغمركم) كذا في النسخ، ونص القوت: حتى يغطيكم ويستركم، (وقال) أبو محمد (سهل) بن عبد الله التستري: (خرج العلماء والعباد والزهاد من الدنيا وقلوبهم مقفلة) أي عليها أقفال الغفلة (ولم تفتح إلا قلوب الصديقين والشهداء ثم تلا قوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) أورده صاحب القوت وزاد يعني مقفلة، عن مفتاح المعرفة، وعين التوحيد، واعلم أن الفقه صفة القلب، والخوف موجب الفقه، وعلم العقل داخل في علم الظاهر، والعلم بالله داخل في علم اليقين، (ولولا أن إدراك قلب من له قلب بالنور الباطن حاكم على علم الظاهر لما قال صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك) وإن أفتاك المفتون، فرده إلى فقه القلب وصرفه عن فتيا المفتين فلولا أن القلب ففيه لم يجز أن يدله صلى الله عليه وسلم على غير فقيه، ولولا أن علم الباطن حاكم على علم الظاهر ما رده إليه، ولا يجوز أن يرده من فقيه إلى فقيه دونه كيف وقد جاء في بعض الروايات بلفظة مؤكدة بالتكرير والمبالغة، فقال: (وإن أفتوك وأفتوك) وهذا مخصوص لمن كان له قلب وألقى سمعه وشهد قيام شاهده، وعري عن شهواته ومعهوده; لأن الفقه ليس من وصف اللسان حققه صاحب القوت، وتخريج الحديث قد تقدم في الباب الثاني، (وقال صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا الحديث) أي إلى آخر الحديث، وهو قوله: يدا ومؤيدا، أخرجه أبو نعيم بهذا اللفظ في الحلية، من حديث أنس وإسناده ضعيف، وأخرجه البخاري في صحيحه، وأبو نعيم في أول الحلية، وهو أول أحاديث الكتاب، كلاهما من رواية محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة رفعه: إن الله عز وجل قال: "من عادى لي وليا فقد آذنني بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعذته، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن نفس المؤمن يكره [ ص: 404 ] الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه، قال الحافظ الذهبي في الميزان في ترجمة خالد بن مخلد الراوي، عن ابن كرامة: هذا حديث غريب جدا لولا هيبة الجامع الصحيح لعد من منكرات خالد بن مخلد، وذلك لغرابة لفظه، ولأنه مما تفرد به شريك وليس بالحافظ اهـ .

وروى البيهقي في الزهد من رواية ابن زجر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة رفعه قال: إن الله عز وجل يقول: ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه، الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا دعاني أحببته، وإذا سألني أعطيته، وإذا استنصرني نصرته، وأحب ما يعبد به عبدي النصح لي.

وفي الباب عن عائشة، وميمونة رضي الله عنهما، فحديث عائشة عند البزار، وحديث ميمونة عند أبي يعلى.




الخدمات العلمية