الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بيان ما على المريد في ترك التزويج وفعله

وعلامة صدق الإرادة في دوام النكاح الخلق .

تزوج بعض المريدين بامرأة فلم يزل يخدمها حتى استحيت المرأة ، وشكت ذلك إلى أبيها ، وقالت : قد تحيرت في هذا الرجل ، أنا في منزله منذ سنين ، ما ذهبت إلى الخلاء قط ، إلا وحمل الماء قبلي إليه وتزوج بعضهم امرأة ذات جمال ، فلما قرب زفافها أصابها الجدري فاشتد حزن أهلها لذلك خوفا من أن يستقبحها فأراهم الرجل أنه قد أصابه رمد ثم أراهم أن بصره قد ذهب ، حتى زفت إليه ، فزال عنهم الحزن فبقيت عنده عشرين سنة ثم توفيت ، ففتح عينيه حين ذلك ، فقيل له في ذلك فقال : تعمدته لأجل أهلها ؛ حتى لا يحزنوا . فقيل له : قد سبقت إخوانك بهذا الخلق وتزوج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق ، فكان يصبر عليها فقيل له : لم لا تطلقها فقال : أخشى أن يتزوجها من لا يصبر عليها فيتأذى بها فإن تزوج المريد ، فهكذا ينبغي أن يكون وإن قدر على الترك فهو أولى له إذا لم يمكنه الجمع بين فضل النكاح وسلوك الطريق وعلم أن ذلك يشغله عن حاله كما روي أن محمد بن سليمان الهاشمي كان يملك من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم فكتب ، إلى أهل البصرة وعلمائها في امرأة يتزوجها ، فأجمعوا كلهم على رابعة العدوية رحمها الله تعالى فكتب إليها بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ؛ فإن الله تعالى قد ملكني من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم ، وليس تمضي الأيام والليالي حتى أتمها مائة ألف ، وأنا أصير لك مثلها ومثلها ، فأجيبيني فكتبت إليه بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ؛ فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن ، والرغبة فيها تورث الهم والحزن ، فإذا أتاك كتابي هذا فهيئ زادك وقدم لمعادك وكن وصي نفسك ، ولا تجعل الرجال أوصياءك ، فيقتسموا تراثك فصم ، الدهر ، وليكن فطرك الموت ، وأما أنا فلو أن الله تعالى خولني أمثال الذي خولك وأضعافه ، ما سرني أن أشتغل عن الله طرفة عين .

التالي السابق


( وعلامة صدق الإرادة في دوام النكاح ، الخلق) أي: معاشرتها بأحسن الأخلاق وألينها، فقد حكي أنه (تزوج بعض المريدين بامرأة فلم يزل يخدمها حتى استحيت المرأة، وشكت ذلك إلى أبيها، وقالت: قد تحيرت في هذا الرجل، أنا في منزله منذ سنين، ما ذهبت إلى الخلاء) ، أي: بيت الماء (قط، إلا وحمل الماء قبلي إليه) ، وهذا من حسن الأخلاق وطيب المعاشرة، (وتزوج بعضهم امرأة ذات جمال، فلما قرب زفافها) إليه (أصابها الجدري) ، فغير محاسن جسدها، (فاشتد حذر أهلها لذلك خوفا من أن يستقبحها) ولا تعجبه، (فأراهم الرجل) بعد أن فطن [ ص: 437 ] لذلك (أنه قد أصابه رمد) في عينيه وبقي على ذلك أياما، (ثم أراهم أن بصره قد ذهب، حتى زفت إليه، فزال عنهم حزنهم) القائم بهم: (فبقيت عنده عشرين سنة) وهو على تلك الحالة، (ثم توفيت، ففتح عينيه حين ذلك، فقيل له في ذلك) التعامي، (فقال: تعمدته لأجل أهلها؛ حتى لا يحزنوا. فقيل له: قد سبقت إخوانك بهذا الخلق) ، وصدقوا؛ فإن الصبر على مثل هذا أشد ما سمع، وحكي عن بعض الصوفية أنه جعل نفسه أصم مدة عشرين سنة؛ لكون امرأته خرج منها صوت ريح، فخجلت، فتصامم لكي يذهب عنها الخجل، ولم يزل كذلك حتى ماتت، نقله الشعراني في بعض كتبه .

(وتزوج بعض الصوفية امرأة سيئة الخلق، فكان يصبر عليها) ويحتمل سوء خلقها، (فقيل له: لم لا تطلقها) فتستريح منها؟ (فقال: أخشى أن يتزوجها من لا يصبر عليها) كصبري، (فيتأذى بها) ، وهذا من أصعب المجاهدات، (فإن تزوج المريد، فهكذا ينبغي أن يكون) في أخلاقه، (وإن قدر على الترك فهو أولى) لحاله، (إذا لم يمكنه الجمع بين فضل النكاح) وبين (سلوك الطريق) طريق الآخرة، (وعلم أن ذلك يشغله عن حاله) ويحول بينه وبين جمع همته، (كما روى ابن محمد بن سليمان) بن علي بن عبد الله بن عباس (الهاشمي) ، وكان قد ولي البصرة من قبل ابن أخيه السفاح، (ملك من غلة الدنيا) ، أي: ارتفاقها، (ثمانين ألف درهم في كل يوم، ثم كتب إلى أهل البصرة وعلمائها في امرأة يتزوجها، فأجمعوا كلهم على) زاهدة عصرها، (رابعة) ابنة إسماعيل (العدوية) ، وكانت رحمها الله بارعة الجمال، (فكتب إليها) ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ فإن الله تعالى قد ملكني من غلة الدنيا ثمانين ألف درهم في كل يوم، وليس تمضي الأيام والليالي حتى أتمها مئة ألف، وأنا أصير لك مثلها، فأجيبيني) أي: للنكاح، (فكتبت إليه) ما نصه: (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد؛ فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي هذا فهيئ زادك وقدم لمعادك) ، أي: لآخرتك، (كن وصي نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك، فيقتسموا مالك، وصم الدهر، وليكن فطورك الموت، وأما أنا فلو أن الله تعالى خولني أمثال الذي خولك) أي: أعطاك، (وأضعافه، ما سرني أن أشتغل عن الله طرفة عين) والسلام .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث