الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( إنه لا يحب المعتدين ) في الدعاء ، كما لا يحب ذلك في سائر الأشياء . والاعتداء تجاوز الحدود فيها ، وقد نهي عنه مطلقا ومقيدا ، إلا ما كان انتصافا من معتد ظالم بمثل ظلمه ، والعفو عنه أفضل ، والاعتداء في كل شيء يكون بحسبه وذلك أن لكل شيء حدا من تجاوزه كان معتديا ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) ( 2 : 229 ) .

                          وشر أنواع الاعتداء في الدعاء التوجه فيه إلى غير الله ولو ليشفع له عنده ؛ لأن الحنيف من يدعو الله تعالى وحده ، فلا يدعو معه غيره ، كما قال : ( فلا تدعوا مع الله أحدا ) ( 72 : 18 ) أي لا ملكا ولا نبيا ولا وليا . ومن دعا غير الله فيما يعجز هو وأمثاله عنه من طريق الأسباب كالشفاء من المرض بغير التداوي وتسخير قلوب الأعداء والإنقاذ من النار ودخول الجنة وما أشبه ذلك من المنافع ودفع المضار - فقد اتخذه إلها لأن الإله هو المعبود ، و " الدعاء هو العبادة " كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد ، وابن أبي شيبة ، وأصحاب السنن الأربعة ، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن النعمان بن بشير وأبو يعلى عن البراء رضي الله عنه ، والمعنى : أنه الركن الأعظم في العبادة على نحو " الحج عرفة " وفي معنى هذا التفسير حديث أنس عند الترمذي مرفوعا " الدعاء مخ العبادة " وإسناده ضعيف يقويه تفسيره للصحيح ، وقد يفسرونه بالعبادة في جملتها دون أفرادها .

                          وقال تعالى : ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا ) ( 17 : 56 ، 57 ) جاء في روايات عن ابن عباس رضي الله عنه أن هذا نزل فيمن عبدوا الملائكة والمسيح وأمه وعزيرا والشمس والقمر ، أي كلهم عاجز عن دفع الضر أو تحويله عنكم ، ومعنى الآية الثانية أن أولئك الذين يدعونهم هم عبيد الله يبتغون إليه الوسيلة والزلفى - أيهم أقرب - أي أقربهم وأفضلهم كالملائكة والمسيح [ ص: 408 ] يعبد الله ويدعوه طلبا للوسيلة عنده ، ويرجون رحمته ويخافون عذابه ، فكيف يدعون معه أو من دونه ؟ وروى الترمذي وابن مردويه واللفظ له عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سلوا الله لي الوسيلة " قالوا : وما الوسيلة ؟ قال " القرب من الله عز وجل " ثم قرأ : ( يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ) وابتغاء ذلك يكون بدعائه وعبادته بما شرعه على لسان رسوله دون غيره ، والآيات المنكرة على المشركين دعاء غير الله وكونه عبادة لهم وشركا من الله كثيرة ، ولكن المضلين للعوام من المسلمين يقولون لهم لا بأس بدعائكم للأولياء والصالحين عند قبورهم ، والتضرع والخشوع عندهم ، فإن هذا توسل بهم إلى الله ليقربوكم منه بشفاعتهم لكم عنده لا عبادة لهم .

                          وهذا تحكم في اللغة وجهل بها ، فأهل اللغة كانوا يسمون ذلك عبادة ، والوسيلة في الدين هي غاية للعبادة ، فإن معناها القرب منه تعالى ، والتوسل طلب ذلك ، فهو التقرب منه بما يرتضيه ، وإنما يكون بما شرعه من عبادتك له دون عبادة غيرك ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) ( 53 : 39 ) والذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء كانوا يقصدون بدعائهم أن يقربوهم إلى الله زلفى وأن يشفعوا لهم عنده ، ويعتقدون أنهم لا يملكون نفعهم ولا كشف الضر عنهم بأنفسهم ، بل ذلك هو الله الذي يجير ولا يجار عليه . وآيات القرآن صريحة في ذلك . نعم إن طلب الدعاء من المؤمنين مشروع من الأحياء دون الأموات ، ويسمى في اللغة توسلا إلى الله لأنه قد شرعه ، ومنه توسل عمر والصحابة بالعباس ، بدلا من النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام ، وإنما كان ذلك بصلاة الاستسقاء وما يشرع بعدها من الدعاء . فإذا قيل لهم هذا قالوا : إن ما ورد من ذم دعاء غير الله والتقرب به إلى الله خاص بالمشركين ، وما يعاب من المشركين لا يعاب من المؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، فأنتم تحملون الآيات في المشركين على المؤمنين ! ! وهذا القول جهل فاضح منهم ، فإن الله تعالى ما ذم الشرك إلا لذاته ، وما ذم المشركين إلا لأنهم تلبسوا به ، وإن الذين أشركوا من أهل الكتاب ما كانوا إلا مؤمنين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، ولكن ما طرأ عليهم من الشرك أحبط إيمانهم ، وكذلك يحبط إيمان من أشرك من المسلمين بدعاء غير الله ، أو بغير ذلك من عبادة سواه ، وإن لم يشرك بربوبيته ، بأن كان يعتقد أنه هو الخالق المدبر لأمر العباد وحده ، فهذا الإيمان عام قل من أشرك فيه ، فتوحيد الإلهية هو إخلاص العبادة لله والتوجه فيها له وحده دون غيره من الأولياء والشفعاء المسخرين بأمره ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) ( 98 : 5 ) .

                          ومن الاعتداء في الدعاء ما هو خاص باللفظ كالتكلف والسجع والمبالغة في رفع الصوت ، فقد صح النهي عن ذلك ، ومنها ما هو خاص بالمعنى وهو طلب غير المشروع [ ص: 409 ] من وسائل المعاصي ومقاصدها كضرر العباد ، وأسباب الفساد ، وطلب المحال الشرعي أو العقلي كطلب إبطال سنن الله في الخلق وتبديلها أو تحويلها ، ومنه طلب النصر على الأعداء ، مع ترك وسائله كأنواع السلاح والنظام ، والغنى بدون كسب ، والمغفرة مع الإصرار على الذنب . والله تعالى يقول : ( فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) ( 35 : 43 ) .

                          روي عن ابن عباس في قوله تعالى : ( إنه لا يحب المعتدين ) قال : في الدعاء ولا في غيره . وقال أبو مجلز : لا يسأل منازل الأنبياء . وروى أحمد وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أنه سمع ابنا له وهو يقول : اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها - ونحوا من هذا - وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها . فقال : لقد سألت الله خيرا كثيرا وتعوذت به من شر كثير ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " سيكون قوم يعتدون في الدعاء - وفي لفظ - يعتدون في الطهور والدعاء " وقرأ هذه الآية .

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية