الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل الغائب الذي تسمع الدعوى والبينة عليه

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل الغائب الذي تسمع )

الدعوى و ( البينة ) عليه ( ويحكم عليه من بمسافة بعيدة ) ؛ لأن القريب يسهل إحضاره ، وقضية المتن أنه لو حكم على غائب فبان كونه حينئذ بمسافة قريبة بان فساد الحكم ، وهو كذلك ، وزعم أن المتبادر من كلامهم الصحة ممنوع ، ويجري ذلك في صبي ، أو مجنون ، أو سفيه بأن كماله ، ولو قدم الغائب ، وقال : ولو بلا بينة كنت بعت ، أو أعتقت قبل بيع الحاكم بان بطلان تصرف الحاكم كما مر ، ولو بان المدعى موته حيا بعد بيع الحاكم ماله في دينه قال أبو شكيل بأن بطلانه إن كان الدين مؤجلا لتبين بقائه لا حالا ؛ لأن الدين يلزمه ، وفاؤه حالا . ا هـ . وإنما يتم له ذلك في الحال إن بان معسرا لا يملك غير المبيع إذ لو رفع للقاضي باع ماله حينئذ بخلاف ما إذا لم يكن كذلك فينبغي بيان بطلان البيع ؛ لأنه لا يلزمه الوفاء من هذا المبيع بعينه ، ولو بان أن لا دين بان أن لا بيع كما هو ، واضح ( وهي ) أي : البعيدة ( التي لا يرجع منها ) متعلق بقوله : ( مبكر ) أي : خارج عقب طلوع الفجر أخذا مما مر في الجمعة أن التبكير فيها يدخل وقته من الفجر ، ويحتمل الفرق ، وأن المراد المبكر عرفا ، وهو من يخرج قبيل طلوع الشمس ( إلى موضعه ليلا ) أي : أوائله ، وهي ما ينتهي إليه سفر الناس غالبا قاله البلقيني ، وذلك ؛ لأن في إيجاب الحضور منها مشقة بمفارقة الأهل ، والوطن ليلا ، ويتعلق منها بمبكر المتعين لتوقف صحة المراد عليه مع جعل إلى موضعه من إظهار المضمر أي : لا يرجع مبكر منها لبلد الحاكم إليها أول الليل ، بل بعده اندفع قول البلقيني تعبيره غير مستقيم ؛ لأن منها يعود للبعيدة ، وهي ليست التي لا يرجع منها ، بل التي لا يصل إليها ليلا من يخرج بكرة من موضعه إلى بلد الحاكم فلو قال : التي لو خرج منها بكرة لبلد الحاكم لا يرجع إليها ليلا لو عاد في يومه بعد فراغ [ ص: 187 ] المحاكمة لوفى بالمقصود .

ا هـ . وظاهر أن العبرة في ذلك باليوم المعتدل ، ويظهر أن المراد زمن المحاكمة المعتدلة من دعوى ، وجواب ، وإقامة بينة حاضرة ، أو حلف ، وتعديلها ، وأن العبرة بسير الأثقال ؛ لأنه المنضبط المعول عليه في نحو مسافة القصر ، وأنه لو كان لمحل طريقان ، وهو بأحدهما على المسافة ، وبالآخر على دونها فإن كانت القصيرة ، وعرة جدا لم تعتبر ، وإلا اعتبرت ، وقدمت في صلاة المسافر في شرح قوله : ولو كان لمقصده طريقان ما له تعلق بذلك فراجعه ( وقيل : ) هي ( مسافة القصر ) ؛ لأن الشرع اعتبرها في مواضع ، ويرد بوضوح الفرق هذا كله حيث كان في محل ولاية القاضي ، وإلا سمع الدعوى عليه ، والبينة ، وحكم ، وكاتب ، وإن قربت قاله الماوردي ، وغيره ، وقضيته أنه لو تعددت النواب ، أو المستقلون في بلد ، وحد لكل واحد حد فطلب من قاض منهم الحكم على من ليس في حده قبل حضوره حكم ، وكاتب ؛ لأنه غائب بالنسبة إليه ، وفيه نظر ظاهر لا سيما إن لم تفحش سعة البلد ، والظاهر أن هذا غير مراد للماوردي ، وغيره

التالي السابق


حاشية ابن قاسم

[ ص: 186 ] فصل الغائب الذي تسمع البينة ، ويحكم عليه من بمسافة بعيدة إلخ . )

( قوله : بان فساد الحكم ) هو القياس ، وإن أفتى شيخنا الشهاب الرملي بصحة الحكم ، ونفوذه م ر ( قوله : وهو كذلك إلخ . ) كذا شرح م ر ( قوله : وإنما يتم له ذلك ) كذا شرح م ر ( قوله : إن بان معسرا لا يملك غير المبيع ) ، أو يملك غيره ، وظهر أن المصلحة في بيع المبيع لو ظهر له الحال قبل التصرف أخذا مما مر في الرهن ش م ر ( قوله : ولو بان أن لا دين بان أن لا بيع ) كتب عليه م ر ( قوله : وهي التي لا يرجع منها مبكر إلى موضعه ليلا ) عبارة الروض ، وشرحه في الطرف الثالث من الباب الثالث من كتاب الشهادات في بيان مسافة العدوى ما نصه ، وحد القرب ما يعود فيه بمعنى منه المبكر من يومه أي : ما يتمكن المبكر إليه من عوده إلى محله في يومه . ا هـ . والبعيدة ما زادت على ذلك ( قوله : اندفع قول البلقيني تعبيره غير مستقيم إلخ . ) ، فإن قلت : لا يحتاج في اندفاع قول البلقيني المذكور إلى التعلق المذكور بل يندفع مع تعلق منها بيرجع ، وتقدير صلة مبكر أي : إليها ، وتعليق إلى موضعه أيضا بيرجع ، والتقدير لا يرجع منها المبكر إليها إلى موضعه ليلا فليتأمل ، فإنه ظاهر مغن عن التكلف قلت لكن هذا يقتضي أن المراد بالمسافة البعيدة محل الحاكم ، وهو لا يناسب قوله : من بمسافة بعيدة ، وإنما يناسبه أن المراد بها محل المدعى عليه فليتأمل ، وقد يدفع هذا بمنع الاقتضاء المذكور ، ولو سلم فالمراد بيان المسافة البعيدة في نفسها لا التي بها المدعى عليه ( قوله : وهي ليست التي لا يرجع منها إلخ . ) ، بل يصح أنها تلك لأنه يصح نسبته [ ص: 187 ] لكل من طرفي المسافة ( قوله : قاله الماوردي ، وغيره ) ، وأفتى به شيخنا الشهاب الرملي ( قوله : والظاهر أن هذا غير مراد للماوردي إلخ . ) كتب عليه م ر



حاشية الشرواني

[ ص: 186 ] فصل في الغائب الذي تسمع البينة ، ويحكم عليه )

قال البجيرمي الأولى تقديم هذا الفصل على الذي قبله ؛ لأنه من تعلقات القضاء على الغائب . ا هـ . ( قوله : الدعوى ) إلى قوله : أو ليمتنع الشهود في النهاية إلا قوله : إذ لو رفع إلى ، ولو بان ، وقوله : أي : خارج إلى المتن ، وقوله : وأنه لو كان إلى المتن ( قول المتن من بمسافة ) أي : من هو كائن بمسافة . ا هـ . مغني ( قوله : ؛ لأن القريب إلخ . ) هذا علة المفهوم ، وأما علة المنطوق فهي قوله : الآتي ، وذلك ؛ لأن في إيجاب الحضور إلخ . ( قوله : ؛ لأن القريب يسهل إحضاره ) أي : الذي في ولايته كما يعلم مما يأتي . ا هـ . رشيدي ( قوله : حينئذ ) أي : حين الحكم ( قوله : بأن فساد الحكم إلخ . ) هو القياس ، وإن أفتى شيخنا الشهاب الرملي بصحة الحكم ، ونفوذه م ر . ا هـ . سم ( قوله : ويجري ذلك ) أي : فساد الحكم . ا هـ . ع ش ( قوله : في صبي ، أو مجنون ، أو سفيه إلخ . ) أي : بعد الدعوى على وليه . ا هـ . ع ش ( قوله : وقال : ولو بلا بينة ) أي : ولو كان فاسقا ، أو كافرا ، وهل يتوقف ذلك على يمين أم لا فيه نظر ، والأقرب تحليفه . ا هـ . ع ش ( قوله : أو أعتقت ) أي : مثلا ( قوله : كما مر ) أي : قبيل قول المتن ، ولو ادعى وكيل الغائب إلخ . قال الرشيدي الذي مر إنما هو إذا أبطل الدين بعد حضوره خلافا للروياني . ا هـ . ( قوله : يتم ) عبارة النهاية يسلم . ا هـ . ( قوله : إن بان معسرا لا يملك غير المبيع ) أو يملك غيره ، وظهر أن المصلحة في بيع المبيع لو ظهر له الحال قبل التصرف أخذا مما مر في الرهن شرح .

م ر . ا هـ . سم ( قوله : بيان بطلان البيع ) يعني تبين بطلانه ، ظاهره وإن كان صلاحه فيه ، وقد مر آنفا عن النهاية خلافه ( قوله : بأن ) كذا بخط المؤلف ، وفي نسخة السيد عمر ، فإن مصلحة . ا هـ . مصطفى الحموي ( قول المتن التي لا يرجع إلخ . ) أي : بعد فراغ المحاكمة . ا هـ . مغني ( قوله : أي : أوائله ) إلى قوله : ويتعلق منها في المغني ( قوله : غالبا ) أي : وإن كان أهل ذلك المحل لا يرجعون إلا في نحو ثلث الليل . ا هـ . ع ش ( قوله : وذلك ؛ لأن إلخ . ) هذا علة لمنطوق قول المتن الغائب إلخ . كما نبهنا عليه هنا خلافا لما يوهمه صنيعه فكان المناسب ذكره بدل قوله : السابق ؛ لأن القريب إلخ . كما فعل شيخ الإسلام ، والمغني ( قوله : لتوقف إلخ . ) علة للتعين ( قوله : أي : لا يرجع مبكر إلخ . ) عبارة الروض مع شرحه في بيان مسافة العدوى بعد القرب ما يعود منه المبكر من يومه أي : ما يتمكن المبكر إليه من عوده إلى محله في يومه انتهت أي : والبعيدة ما زادت على ذلك . ا هـ . سم ( قوله : تعبيره ) أي : المصنف ( قوله : ؛ لأن منها ) أي : ضميره ( قوله : ، وهي ليست التي إلخ . ) بل يصح أنها تلك ؛ لأنه يصح نسبته لكل من طرفي المسافة . ا هـ . سم ( قوله : [ ص: 187 ] أن المراد إلخ . ) أي : بفراغ المحاكمة ( قوله : وأنه لو كان إلخ . ) أي : ويظهر أنه إلخ . ( قوله : وعرة ) أي : صعبة ( قوله : ؛ لأن الشرع ) إلى قوله : وقضيته في المغني إلا قوله : ويرد بوضوح الفرق ( قوله : بوضوح الفرق ) وهو المشقة في الحضور هنا . ا هـ . ع ش ( قوله : هذا كله إلخ . ) الظاهر أن هذا لا محل له هنا ، وأن محله إنما هو بعد قول المصنف الآتي ، ومن بقريبة كحاضر إلخ . على أنه لا حاجة إلى ذكر هذا أصلا ، ولا إلى نسبته إلى الماوردي ؛ لأنه عين قول المصنف الآتي ، أو غائب في غير محل ولايته فليس له إحضاره فتأمل . ا هـ . رشيدي ( قوله : حيث كان ) أي : الخصم الخارج عن البلد . ا هـ . مغني ( قوله : وإلا سمع إلخ . ) عبارة المغني ، فإن كان خارجا عنها فالبعد ، والقرب على حد سواء فيجوز أن تسمع الدعوى إلخ . ( قوله : قاله إلخ . ) عبارة المغني كما قاله إلخ . ( قوله : قاله الماوردي ، وغيره ) ، وأفتى به شيخنا الشهاب الرملي . ا هـ . سم ( قوله : وقضيته أنه إلخ . ) دفع المغني هذه القضية بفرض كلام الماوردي ، وغيره فيما إذا كان الخصم خارجا عن البلد كما مر



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث