الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون )

                                                                                                                                                                                                                                            قوله تعالى : ( قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون )

                                                                                                                                                                                                                                            اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء في تصديق الرسول الذي يأتي مصدقا لما معهم بين في هذه الآية أن من صفة - محمد صلى الله عليه وسلم - كونه مصدقا لما معهم ، فقال : ( قل آمنا بالله ) إلى آخر الآية وهاهنا مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : وحد الضمير في " قل " ، وجمع في " آمنا " وفيه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنه تعالى حين خاطبه ، إنما خاطبه بلفظ الوحدان ، وعلمه أنه حين يخاطب القوم يخاطبهم بلفظ الجمع على وجه التعظيم [ ص: 109 ] والتفخيم ، مثلما يتكلم الملوك والعظماء .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أنه خاطبه أولا بخطاب الوحدان ليدل هذا الكلام على أنه لا مبلغ لهذا التكليف من الله إلى الخلق إلا هو ، ثم قال : " آمنا " تنبيها على أنه حين يقول هذا القول فإن أصحابه يوافقونه عليه .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أنه تعالى عينه في هذا التكليف بقوله " قل " ليظهر به كونه مصدقا لما معهم ثم قال " آمنا " تنبيها على أن هذا التكليف ليس من خواصه ، بل هو لازم لكل المؤمنين كما قال : ( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) [ البقرة : 285 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : قدم الإيمان بالله على الإيمان بالأنبياء ، لأن الإيمان بالله أصل الإيمان بالنبوة ، وفي المرتبة الثانية ذكر الإيمان بما أنزل عليه ، لأن كتب سائر الأنبياء حرفوها وبدلوها فلا سبيل إلى معرفة أحوالها إلا بما أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم ، فكان ما أنزل على محمد كالأصل لما أنزل على سائر الأنبياء فلهذا قدمه عليه ، وفي المرتبة الثالثة ذكر بعض الأنبياء وهم الأنبياء الذين يعترف أهل الكتاب بوجودهم ، ويختلفون في نبوتهم ، " والأسباط " هم أسباط يعقوب - عليه السلام - الذين ذكر الله أممهم الاثني عشر في سورة الأعراف ، وإنما أوجب الله تعالى الإقرار بنبوة كل الأنبياء - عليهم السلام - لفوائد : إحداها : إثبات كونه - عليه السلام - مصدقا لجميع الأنبياء ؛ لأن هذا الشرط كان معتبرا في أخذ الميثاق .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : التنبيه على أن مذاهب أهل الكتاب متناقضة ، وذلك لأنهم إنما يصدقون النبي الذي يصدقونه لمكان ظهور المعجزة عليه ، وهذا يقتضي أن كل من ظهرت المعجزة عليه كان نبيا ، وعلى هذا يكون تخصيص البعض بالتصديق والبعض بالتكذيب متناقضا ، بل الحق تصديق الكل والاعتراف بنبوة الكل .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنه قال قبل هذه الآية : ( أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض ) ، وهذا تنبيه على أن إصرارهم على تكذيب بعض الأنبياء إعراض عن دين الله ومنازعة مع الله ، فهاهنا أظهر الإيمان بنبوة جميع الأنبياء ، ليزول عنه وعن أمته ما وصف أهل الكتاب به من منازعة الله في الحكم والتكليف .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : أن في الآية الأولى ذكر أنه أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا بكل من أتى بعدهم من الرسل ، وهاهنا أخذ الميثاق على محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن يؤمن بكل من أتى قبله من الرسل ، ولم يأخذ عليه الميثاق لمن يأتي بعده من الرسل ، فكانت هذه الآية دالة من هذا الوجه على أنه لا نبي بعده البتة ، فإن قيل : لم عدى " أنزل " في هذه الآية بحرف الاستعلاء ، وفيما تقدم من مثلها بحرف الانتهاء ؟ قلنا : لوجود المعنيين جميعا ؛ لأن الوحي ينزل من فوق وينتهي إلى الرسل ، فجاء تارة بأحد المعنيين وأخرى بالآخر ، وقيل أيضا إنما قيل : " علينا " في حق الرسول ؛ لأن الوحي ينزل عليه " وإلينا " في حق الأمة ؛ لأن الوحي يأتيهم من الرسول على وجه الانتهاء وهذا تعسف ، ألا ترى إلى قوله : ( بما أنزل إليك ) ، ( وأنزل إليك الكتاب ) ، وإلى قوله : ( آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا ) .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية