الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )

                                                                                                                                                                                                                                            قوله تعالى : ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين )

                                                                                                                                                                                                                                            اعلم أن في وجه النظم وجوها :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه إلى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم ، ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة والدعوة إلى الله والإعراض عن الدنيا ، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الثاني : أنه لما بين خطأهم في نسبته إلى الخيانة والغلول قال : لا أقنع بذلك ، ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول ، ولكني أقول : إن وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فإنه يزكيكم عن الطريق الباطلة ، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم ، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الإنسان إلى الخيانة .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الثالث : كأنه تعالى يقول : إنه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم ، وأنتم أرباب الخمول والدناءة ، فإذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والإحسان من جميع العالمين ، حصل لكم شرف عظيم [ ص: 64 ] بسبب كونه فيكم ، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح إليه على خلاف العقل .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الرابع : أنه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ، فوجب عليكم أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان ، والمقصود منه العود إلى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار . وفي الآية مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : قال الواحدي رحمه الله : للمن في كلام العرب معان :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : الذي يسقط من السماء وهو قوله : ( وأنزلنا عليكم المن والسلوى ) [البقرة : 57] .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن تمن بما أعطيت وهو قوله : ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) [البقرة : 264] .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : القطع وهو قوله : ( لهم أجر غير ممنون ) [فصلت : 8] ( وإن لك لأجرا غير ممنون ) .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله : ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك ) [ص : 39] وقوله : ( ولا تمنن تستكثر ) والمنان في صفة الله تعالى : المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله : ( لقد من الله على المؤمنين ) أي أنعم عليهم وأحسن إليهم ببعثه هذا الرسول .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : أن بعثة الرسول إحسان إلى كل العالمين ، وذلك لأن وجه الإحسان في بعثته كونه داعيا لهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم إلى ثواب الله ، وهذا عام في حق العالمين ؛ لأنه مبعوث إلى كل العالمين ، كما قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس ) [سبأ : 28] إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الإنعام إلا أهل الإسلام ، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : ( هدى للمتقين ) [البقرة : 2] مع أنه هدى للكل ، كما قال : ( هدى للناس ) [البقرة : 185] وقوله : ( إنما أنت منذر من يخشاها ) [النازعات : 45] .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية