الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في سبب الاستيلاد

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما سبب الاستيلاد وهو صيرورة الجارية أم ولد له فقد اختلف فيه ، قال أصحابنا : سببه هو ثبوت نسب الولد .

وقال الشافعي علوق الولد حرا على الإطلاق بعد اتفاقهم على أن حكم الاستيلاد في الحال هو ثبوت حق الحرية ، وثبوت حقيقة الحرية بعد موت المولى ، والأصل فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم في جاريته مارية القبطية لما ولدت إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها ولدها والمراد منه التسبيب أي ولدها سبب عتقها .

غير أنهم اختلفوا في جهة التسبيب فقال أصحابنا : هي ثبوت نسب الولد وقال الشافعي : هي علوق الولد حرا مطلقا .

( وجه ) قوله إن الولد حر بلا شك وإنه جزء الأم ، وحرية الجزء تقتضي حرية الكل إذ لا يحتمل أن يكون الكل رقيقا والجزء حرا ، كان ينبغي أن تعتق الأم للحال إلا أنه إنما لا تعتق ; لأن الولد انفصل منها ، وحريته على اعتبار الانفصال لا توجب حرية الأم ، كما لو أعتق الجنين فقلنا بثبوت حق الحرية في الحال وتأخر الحقيقة إلى بعد الموت عملا بالشبهين ، ولنا أن الوطء المعلق أوجب الجزئية بين المولى والجارية بواسطة الولد لاختلاط الماءين وصيرورتهما شيئا واحدا وانخلاق الولد منه ، فكان الولد جزءا لهما ، وبعد الانفصال عنها إن لم يبق جزءا لها على الحقيقة فقد بقي حكما لثبوت النسب ، ولهذا تنسب كل الأم إليه بواسطة الولد يقال : أم ولده .

فلو بقيت حقيقة الحرية لثبتت حقيقة الحرية للحال فإذا بقيت حكما ثبت الحق على ما عليه وضع مأخذ الحجج في ترتيب الأحكام على قدر قوتها وضعفها ، وإلى هذا المعنى أشار عمر رضي الله عنه فقال : أبعدما اختلطت لحومكم بلحومهن ودماؤكم بدمائهن تريدون بيعهن ثم اختلف أصحابنا في كيفية هذا السبب فقال علماؤنا الثلاثة : السبب هو ثبوت النسب شرعا ، وقال زفر : هو ثبوت النسب مطلقا سواء ثبت شرعا أو حقيقة .

وبيان هذه الجملة في مسائل إذا تزوج جارية إنسان فاستولدها ثم ملكها صارت أم ولد له عند أصحابنا ; لأن سبب الاستيلاد هو ثبوت النسب وقد ثبت فتحقق السبب ، إلا أنه توقف الحكم على وجود الملك فتعذر إثبات حكمه [ ص: 125 ] وهو حق الحرية في غير الملك ، كما يتعذر إثبات الحقيقة في غيره فتأخر الحكم إلى وقت الملك ، وعند الشافعي لا تصير أم ولد له ، وهو قول إبراهيم النخعي لأن السبب عنده علوق الولد حرا على الإطلاق ولم يوجد ; لأن الولد رقيق في حق مولاه ، وإذا ملك ولده الذي استولده عتق عليه بالإجماع أما عندنا فلأنه ملك ذا رحم محرم منه فيعتق .

وأما عنده فلأنه ملك ولدا ثابت النسب منه شرعا ، وكذلك إذا ثبت النسب من غير مالك الجارية بوطء بشبهة ، ثم ملكها فقد صارت أم ولد له حين ملكها عندنا لوجود السبب ، وعنده لا ; لانعدام السبب ، ولو ملك الولد عتق لما قلنا ، ولو زنى بجارية فاستولدها بأن قال : زنيت بها أو فجرت بها أو قال : هو ابني من زنا أو فجور .

وصدقته وصدقه مولاها فولدت ثم ملكها لم تصر أم ولد له عند أصحابنا الثلاثة ، وهو استحسان ، والقياس أن تصير أم ولد له وهو قول زفر بناء على أن السبب عنده ثبوت النسب مطلقا ، وقد ثبت النسب حقيقة بدليل أنه لو تملك الولد عتق عليه بلا خلاف بين أصحابنا ، والسبب عند أصحابنا الثلاثة هو ثبوت نسب الولد شرعا ولم يثبت .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث