الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            [ ص: 220 ] باب البيع قبل القبض

                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رحمه الله تعالى : " أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه " وقال ابن عباس : أما الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الطعام أن يباع حتى يكتال ، وقال ابن عباس برأيه : ولا أحسب كل شيء إلا مثله ( قال الشافعي ) وإذا نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبض : لأن ضمانه من البائع ، ولم يتكامل للمشتري فيه تمام ملك فيجوز به البيع ، كذلك قسنا عليه بيع العروض قبل القبض : لأنه بيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قال : كل من ابتاع شيئا من طعام أو غيره لم يجز بيعه قبل قبضه .

                                                                                                                                            وقال مالك : لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه ، ويجوز بيع ما ليس بطعام مأكول قبل قبضه ، وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري : لا يجوز بيع ما يكال ويوزن قبل قبضه ، ويجوز بيع ما لا يكال ولا يوزن قبل قبضه ، وبه قال عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وهو مذهب أحمد بن حنبل .

                                                                                                                                            وقال أبو حنيفة : لا يجوز بيع ما ينقل ويحول قبل قبضه ، ويجوز بيع ما لا ينقل ولا يحول قبل قبضه .

                                                                                                                                            واستدلوا جميعا في الجملة بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه " . فحمله مالك على المطعوم ، وحمله سعيد بن المسيب على أنه مكيل موزون ، وحمله أبو حنيفة على أنه محمول منقول ، وكل مستنبط منه معنى مذهبه ، قالوا : ولأن البيع يجمع ثمنا ومثمنا ، فلما جاز بيع الثمن قبل قبضه حتى إن كان الثمن دراهم جاز أن يأخذ مكانها متاعا أو عوضا ، وجب أن يجوز بيع المثمن قبل قبضه ، حتى إن كان متاعا جاز أن يأخذ مكانه دراهم أو دنانير ، وتحرير ذلك علة أنه أخذ عوض البيع فجاز بيعه قبل قبضه كالثمن ، ولأن بيع ما لم يقبض إنما هو إزالة ملكه عنه .

                                                                                                                                            فلما جاز للمشتري أن يزيل ملكه عما لم يقبضه بالعتق والاستهلاك ، جاز أن يزيل [ ص: 221 ] ملكه عنه بالبيع ، وتحرير ذلك علة أنه أحد نوعين ما يزيل به الملك فجاز فيما لم يقبض كالعتق .

                                                                                                                                            ثم انفرد أبو حنيفة مستدلا لمذهبه بأن قال : حقيقة القبض هو النقل والتحويل فيما يمكن نقله وتحويله تنتفي عنه حقيقة القبض ، فاقتضى أن لا يكون لقبضه تأثير في جواز التصرف فيه بالبيع وغيره ، قال : ولأن ما لا ينقل مأمون الهلاك ، فلا يلحق العقد فسخ بتلفه في يد بائعه ، فجاز بيعه للأمن من فسخه ، وتحرير ذلك قياسا أنه مملوك بعقد لا يخشى انفساخه بهلاكه فوجب أن يجوز تصرفه فيه بالبيع وغيره كالمقبوض ، ولأنه مملوك مأمون الفساد فجاز بيعه قبل قبضه كالميراث .

                                                                                                                                            ولأن المشتري يزيل ملكه بالبيع كما يزال ملكه بالشفعة فلما جاز أخذه بالشفعة قبل القبض جاز بيعه قبل القبض ، وتحرير ذلك قياسا أنه عقار ملك على المشتري بعوض فلم يمنع منه تأخر القبض كالشفعة .

                                                                                                                                            ودليلنا رواية عبد الله بن عصمة أن حكيم بن حزام حدثه أنه قال : يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم ؟ قال : " إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه ، ولا تبع ما ليس عندك " . فكان هذا النص عاما في كل مبيع ، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ربح ما لم يضمن " .

                                                                                                                                            والمبيع قبل القبض غير مضمون على المشتري بدليل أن ما حدث به من عيب يستحق به المشتري الفسخ : لأنه من ضمان البائع ، ثم قد منعه النبي صلى الله عليه وسلم من طلب الربح فيه بالبيع ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم " لما بعث عتاب بن أسيد إلى مكة قال له : " انههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا " وهذا نص : ولأنه بيع ما لم يقبضه المشتري ، فوجب أن لا يجوز له بيعه كالمطعوم مع مالك ، والمنقول مع أبي حنيفة ، ولأن ملك المبيع لا يستقر إلا بالقبض بدليل قوله تعالى : وذروا ما بقي من الربا [ البقرة : 278 ] ففصل بين ما قبض ، فلم يوجب رده لاستقرار ملكه وبين ما لم يقبض فأوجب رده لعدم ملكه ، ولأن الصرف يزول فيه ملك المشتري بتأخر القبض ، وإن لم يستقر الملك على ما لم يقبض لم يجز بيعه : لأن بيع ما لم يستقر ملكه باطل ، ولأن بيع ما لم يقبض غير مقدور على تسليمه ، وبيع ما لا يقدر على تسليمه باطل ، كالعبد الآبق والجمل الشارد ، وعلى أبي حنيفة خاصة أن كل حكم كان القبض فيه معتبرا بالنقل والتحويل إن كان منقولا كان القبض فيه معتبرا بالتخلية والتمكين ، إن لم يكن منقولا . أصله تمام الهبة ولزوم الرهن [ ص: 222 ] وانتقال ضمان المبيع إلى المشتري يستوي فيه ما ينقل وما لا ينقل في اعتبار القبض فيه كذلك البيع .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن استدلالهم بحديث ابن عمر ، فهو أنه لا دليل فيه من وجهين : أنه بعض ما شمله عموم خبرنا فلم يعارضه : لأنه لم ينافيه . والثاني : أن تعلقه لا يحج ، ودليل الخطاب فيه لا يسلم : لأن الشافعي إنما يجعل الخطاب دليلا إذا علق بعدد أو صفة ، فتعلقه بالعدد كقوله " في أربعين شاة شاة " " وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا " ، وتعليقه بالصفة كقوله في سائمة الغنم زكاة " ولا وصية لوارث ، وأما دليل الخطاب في الأسماء فلا نقول به وهو هاهنا معلق بالاسم ، وإنما كان أبو بكر بن الدقاق من أصحابنا يقول بدليل الخطاب في الأسماء ، ولو التزم هذا المذهب في دليل الخطاب ، لم نسلم في هذا الموضع : لأن الخبر تنبيها يدفع دليل خطابه ، وهو أن تعليقه النهي بالطعام مع كثرة بياعاته وحدوث الحاجة إلى المسامحة في عقود تنبيها على أن غير الطعام أولى بالنهي فكان دليل الخطاب مدفوعا به .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن جمعهم بين الثمن والمثمن واستشهادهم بجواز المعاوضة على الثمن قبل قبضه ، فمنتقض على قول مالك بالمطعوم ، وعلى قول أبي حنيفة بالمنقول ، ثم المعنى في الثمن استقرار ملك البائع عليه ، قبل قبضه فجاز أن يعاوض عليه بأخذ بدله ، والمثمن لم يستقر ملك المشتري عليه قبل قبضه فلم يجز أن يعاوض عليه .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياسهم على العتق فالمعنى في العتق أنه استهلاك لا تعتبر فيه الشروط المعتبرة في العقود ، كما يجوز أن يستهلك المطعوم والمنقول قبل قبضه ، ولا يجوز أن يبيعه قبل قبضه

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياس أبي حنيفة ما لا ينقل على المقبوض بعلة أنه لا يجيز انفساخ العقد بهلاكه ، فينتقض بمن اشترى طعاما كيلا وقبضه جزافا قد أمن فسخ البيع بهلاكه ، ولا يجوز بيعه قبل كيله ، وفي العكس من اشترى علو دار ليس يأمن فسخ العقد بهلاكه ، ويجوز بيعه قبل قبضه ، ثم يقول المعنى في المقبوض أنه صار من ضمان المشتري ، فجاز بيعه وما لم يقبض وإن كان غير منقول ، ليس من ضمان المشتري فلم يجز بيعه ، وكذا الجواب عن الميراث أنه جاز له بيعه قبل قبضه : لأنه من ضمانه

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياسهم على الشفعة فهو أنه لا يصح على أصلهم : لأن مذهبهم أنه مأخوذ بالشفعة من البائع دون المشتري ، وكذلك يجب عندهم عهدة الشفيع على البائع دون المشتري ، ثم على أصلنا أن الشفعة مستحقة على المشتري لا نسلم بهذا القياس : لأن الشفعة تستحق جبرا فلم يفتقر [ ص: 223 ] ثبوتها إلى جواز التصرف فجاز قبل القبض ، وإن عدم التصرف والبيع عقد تراض يفتقر ثبوته إلى جواز التصرف ، فلم يجز قبل القبض لعدم التصرف .

                                                                                                                                            وأما القسم الثاني : وهو ما لا ينفذ فيه تصرفه فيه فهو ما كان من عقود المعاوضات ، كصداق الزوجات ، أو أجور المستأجرات ، أو عقود الإجارات ، أو صلح في حقوق ومطالبات ، فكل هذا وما شاكله باطل ، فإذا جعل المبيع صداقا لزوجة في عقد النكاح بطل الصداق ، ولم يبطل النكاح ، ولو جعله أجرة لدار استأجرها كانت الإجارة باطلة : لوهاء تصرفه في الأجرة ، ولو كان المبيع دارا فأجرها بطلت الإجارة لوهاء تصرفه في الدار المؤجرة ، ولو جعله صلحا على دين كان صلحا باطلا : لأن الصلح بيع .

                                                                                                                                            وأما القسم الثالث : وهو ما اختلف قوله فيه : فالكتابة ، والرهن ، والهبة ، فإذا كاتب العبد الذي ابتاعه قبل قبضه ، ففي الكتابة قولان : أصحهما باطلة : لأنها عقد معاوضة . والثانية : صحيحة : لأن المغلب فيها العتق . وأما الرهن فإن كان الثمن باقيا على المشتري أو بعضه كان رهنه باطلا : لأنه مرهون على ثمنه ، وإن كان قد دفع جميع ثمنه ففي جواز رهنه قولان : أحدهما : باطل : لأنه ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه .

                                                                                                                                            والثاني : جائز : لأنه لما جاز أن يكون مرهونا على ثمنه جاز أن يكون مرهونا على غير ثمنه .

                                                                                                                                            وأما هبته قبل قبضه ففيها قولان : من اختلاف قوليه هل يلزم فيها المكافأة أم لا ، فإذا قيل : بوجوب المكافأة فيها بطلت الهبة : لأنها معاوضة . وإذا قيل : إن المكافأة لا تجب فيها صحت الهبة ، فإن كانت لأجنبي احتاج الواهب أن يقبضها من البائع بنفسه ، أو وكيله ليستقر له ملكها ويسقط عن البائع ضمانها ، ثم يدفعا إلى الموهوب له ليتم له هبتها ، فلو أذن الواهب للموهوب له أن يقبضها من البائع قبضها منه لم يصح : لأنهما عقدان يلزم في كل واحد منهما القبض ، فلم يكن العقد واحدا نايبا عن عقدين ، ثم ينظر فإن كان الموهوب له قبضها لنفسه لم يكن ذلك قبضا لا عن البيع ولا عن الهبة ، أما عن البيع فلأن القبض لم يكن للمشتري ، وأما عن الهبة فلأنه لا يصح إلا بعد قبض المبيع ، والبائع ضامن لها بالثمن ، حتى لو تلف بطل البيع لعدم القبض فيه ، والمشتري الواهب ضامن لها بالقيمة حتى إن تلفت غرمها للبائع : لأنها مقبوضة عن أجرة بوجه معاوضة .

                                                                                                                                            وهل يكون الموهوب له ضامنا بالقبض أم لا ؟ على وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : لا ضمان عليه : لأنه ليس معاوضة .

                                                                                                                                            والثاني : عليه الضمان : لأن يده دخلت من جهة الواهب ، فإن كان الموهوب له قبضها للواهب المشتري صح القبض في البيع وبرئ البائع من الضمان وضمنها المشتري بالثمن [ ص: 224 ] ولا ضمان على الموهوب له بالقبض : لأنه وكيل للواهب فيه : ويحتاج إلى استيثاق قبض لتتم به الهبة ، فإن أذن له الواهب في قبض ذلك من نفسه لم يصح أن يكون قابضا من نفسه مقبضا لها والله أعلم .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية