الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رجوعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حكم الرجم

[ رجوعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حكم الرجم ]

قال ابن إسحاق : وحدثني ابن شهاب الزهري أنه سمع رجلا من مزينة ، من أهل العلم ، يحدث سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة حدثهم : أن أحبار يهود اجتمعوا في بيت المدراس ، حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت ، فقالوا : ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد ، فسلوه كيف الحكم فيهما ، وولوه الحكم عليهما ، فإن عمل فيهما بعملكم من التجبية - والتجبية : الجلد بحبل من ليف مطلي بقار ، ثم تسود وجوههما ، ثم يحملان على حمارين ، وتجعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين - فاتبعوه ، فإنما هو ملك ، وصدقوه ، وإن هو حكم فيهما بالرجم فإنه نبي ، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه .

فأتوه ، فقالوا : يا محمد ، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت ، فاحكم فيهما ، فقد وليناك الحكم فيهما . فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدراس فقال : يا معشر يهود أخرجوا إلي علماءكم ، فأخرج له عبد الله بن صوريا .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني بعض بني قريظة : أنهم قد أخرجوا إليه يومئذ ، مع ابن صوريا ، أبا ياسر بن أخطب ، ووهب بن يهوذا ، فقالوا : هؤلاء علماؤنا . [ ص: 565 ] فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى حصل أمرهم ، إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا : هذا أعلم من بقي بالتوراة .

قال ابن هشام : من قوله : وحدثني بعض بني قريظة - إلى أعلم من بقي بالتوراة من قول ابن إسحاق ، وما بعده من الحديث الذي قبله . فخلا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنا ، فألظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة ، يقول له : يا ابن صوريا ، أنشدك الله وأذكرك بأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم في التوراة ؟ قال : اللهم نعم ، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك لنبي مرسل ولكنهم يحسدونك .

قال : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بهما فرجما عند باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار . ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا ، وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال ابن إسحاق : فأنزل الله تعالى فيهم : يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك أي الذين بعثوا منهم من بعثوا وتخلفوا ، وأمروهم بما أمروهم به من تحريف الحكم عن مواضعه . ثم قال : يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه أي الرجم فاحذروا إلى آخر القصة .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن ابن عباس ، قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما ، فرجما بباب مسجده ، فلما وجد اليهودي مس الحجارة قام إلى صاحبته فجنأ عليها ، يقيها مس الحجارة ، حتى قتلا جميعا

[ ص: 566 ] قال : وكان ذلك مما صنع الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في تحقيق الزنا منهما .

قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن كيسان ، عن نافع مولى عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر ، قال : لما حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما ، دعاهم بالتوراة ، وجلس حبر منهم يتلوها ، وقد وضع يده على آية الرجم ، قال : فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر ، ثم قال : هذه يا نبي الله آية الرجم يأبى أن يتلوها عليك ؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحكم يا معشر يهود ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم ؟ قال : فقالوا : أما والله إنه قد كان فينا يعمل به ، حتى زنى رجل منا بعد إحصانه ، من بيوت الملوك وأهل الشرف ، فمنعه الملك من الرجم ، ثم زنى رجل بعده ، فأراد أن يرجمه ، فقالوا : لا والله ، حتى ترجم فلانا ، فلما قالوا له ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبية ، وأماتوا ذكر الرجم والعمل به .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به ، ثم أمر بهما فرجما عند باب مسجده قال عبد الله بن عمر : فكنت فيمن رجمهما
.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث