الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة صوم اليوم السادس عشر من شعبان تطوعا

جزء التالي صفحة
السابق

800 - مسألة : ولا يجوز صوم اليوم السادس عشر من شعبان تطوعا أصلا ولا لمن صادف يوما كان يصومه - : نا عبد الله بن ربيع نا عمر بن عبد الملك نا محمد بن بكر نا أبو داود نا قتيبة بن سعيد نا عبد العزيز بن محمد الدراوردي قال : قدم عباد بن كثير المدينة فمال إلى مجلس العلاء بن عبد الرحمن فأخذ بيده فأقامه ثم قال : اللهم إن هذا يحدث عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { إذا انتصف شعبان فلا تصوموا } فقال العلاء : اللهم إن أبي حدثني [ ص: 448 ] عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك . قال أبو محمد : هكذا رواه سفيان عن العلاء ، والعلاء ثقة روى عنه : شعبة ، وسفيان الثوري ، ومالك ، وسفيان بن عيينة ، ومسعر بن كدام ، وأبو العميس ، وكلهم يحتج بحديثه فلا يضره غمز ابن معين له ، ولا يجوز أن يظن بأبي هريرة مخالفة ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم والظن أكذب الحديث ; فمن ادعى هاهنا إجماعا فقد كذب . وقد كره قوم الصوم بعد النصف من شعبان جملة ، إلا أن الصحيح المتيقن من مقتضى لفظ هذا الخبر النهي عن الصيام بعد النصف من شعبان ، ولا يكون الصيام في أقل من يوم ، ولا يجوز أن يحمل على النهي عن صوم باقي الشهر إذ ليس ذلك بينا ، ولا يخلو شعبان من أن يكون ثلاثين أو تسعا وعشرين ; فإن كان ذلك فانتصافه بخمسة عشر يوما ; وإن كان تسعا وعشرين فانتصافه في نصف اليوم الخامس عشر ، ولم ينه عن الصيام بعد النصف ، فحصل من ذلك النهي عن صيام اليوم السادس عشر بلا شك . فإن قيل : فقد رويتم من طريق وكيع عن أبي العميس عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان } . قلنا : نعم ، وهذا يحتمل النهي عن كل ما بعد النصف من شعبان ; ويحتمل أن يكون النهي عن بعض ما بعد النصف ، وليس أحد الاحتمالين أولى بظاهر اللفظ من الآخر ; وقد روينا ما ذكرنا قبل من قول أم سلمة أم المؤمنين : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان يصله برمضان } وقول عائشة أم المؤمنين : { أنه عليه الصلاة والسلام : كان يصوم شعبان كله إلا قليلا } وقولهما هذا يقتضي أنه عليه السلام كان يداوم ذلك فوجب استعمال هذه الأخبار كلها وألا يرد منها شيء لشيء أصلا ; فصح صيام أكثر شعبان مرغوبا فيه ، وصح جواز صوم آخره ; فلم يبق يقين النهي إلا على ما لا شك فيه وهو اليوم [ ص: 449 ] السادس عشر كما قلنا - وبالله تعالى التوفيق .

ومن ادعى نسخا في خبر العلاء فقد كذب وقفا ما لا علم له به - وبالله تعالى نتأيد . وقد بينا فيما خلا ما قاله أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي مما لا يعرف أن أحدا قاله قبل كل واحد منهم ، أكثر ذلك مما قالوه برأي لا بنص ؟ من ذلك قول أبي حنيفة : يجزئ من مسح الرأس في الوضوء مقدار ثلاثة أصابع ولا يجزئ أقل منه ، ومرة قال : ربع الرأس ولا يجزئ أقل ، ويجزي مسحه بثلاث أصابع ولا يجزئ بأصبعين ولا بأصبع . وأجازوا الاستنجاء بالروث . وقوله : المرة والماء الخارجان ، من الجوف ينقضان الوضوء إذا كان كل واحد منهما ملء الفم ، فإن كان أقل لم ينقض الوضوء ; وكذلك تعمد القيء والدم الخارج من الجوف ينقض الوضوء إن غلب على البصاق وإن لم يملأ الفم ، والبلغم الخارج من الجوف لا ينقض الوضوء وإن ملأ الفم . وقوله في صدقة الخيل : إن شاء أعطى عن كل رأس من الإناث أو الذكور أو الإناث مخلوطين عن كل رأس عشرة دراهم ، وإن شاء قومها قيمة وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة ، ولا يعطي من الذكور المفردة شيئا . وقوله : الزكاة في كل ما أخرجت الأرض قل أو كثر إلا الحطب ، والقصب ، والحشيش ، وقصب الزريرة ، فإن كان الخارج في الدار فلا زكاة فيه ، وكل هذا لا يعلم أحد قاله قبلهم . وكقول مالك : من ترك من الصلاة ثلاث تكبيرات ، أو ثلاث تسميعات بطلت صلاته ، فإن ترك تكبيرتين فأقل لم تبطل ولا تسميعتين فأقل . وقوله في الزكاة فيما تخرجه الأرض ومما لا زكاة فيه من ذلك من أنواع الحبوب . وقوله : إن الزكاة تسقط بموت المرء إلا زكاة عامه ذلك . وقوله فيما تخرج منه زكاة الفطر من الحبوب . وقول الشافعي : فيما يخرج منه الزكاة من الحبوب وما يخرج منه . وقوله : فيما يخرج منه زكاة الفطر من الحبوب وما لا يجزئ فيها منها . [ ص: 450 ]

وقوله في أن الماء إن كان خمسمائة رطل بالبغدادي له لم يقبل نجاسة إلا أن تغيره ، فإن كان أقل - ولو بوزن درهم - فإنه ينجس وإن لم يتغير . وكل هذا لا يعرف له قائل قبل من ذكرنا .

ولو تتبعنا ما لكل واحد منهم من مثل هذا لبلغ لأبي حنيفة ، ومالك : ألوفا من المسائل ، ولبلغ للشافعي مائتين - وبالله تعالى نتأيد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث