
سجلت السنة النبوية حضورا كبيرا في كل المجالات، ولا سيما في المواضيع الاستثنائية، والحالات الطارئة، وقد ظهر هذا في جائحة كورونا التي استنفرت جهود فقهاء الشريعة لاستنباط الأحكام، والاسترشاد بالنصوص لاقتراح معالجات وقائية للوباء قبل وقوعه، ومعالجات آثاره بعد وقوعه، مما يدل على ما تتميز به السنة النبوية من استيعاب جميع الظروف والأحوال، وأنها قدمت ولا زالت تقدم الحلول الناجعة، وقد تتناول الحالة بالنص أو بالإشارات الهادية، والتوجيهات النافعة، وهذه بعض النصوص النبوية التي نورت للفقهاء مسالك الاجتهاد في نوازل جائحة كورونا.
أولا: حديث ابن عباس أن قال لمؤذنه في يوم مطير: "إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله، فلا تقل حي على الصلاة، قل: «صلوا في بيوتكم»، فكأن الناس استنكروا، قال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة وإني كرهت أن أحرجكم فتمشون في الطين والدحض". رواه البخاري في صحيحه.
فقد كان هذا الحديث أحد الأدلة الأساسية للقول بجواز إيقاف الجمعة والجماعة لأجل عذر الخوف من تفشي الوباء، وقد ورد في رواية مسلم ما يدل على أن ذلك حصل يوم الجمعة، عن عبد االله بن الحارث قال: "أذن مؤذن ابن عباس يوم جمعة في يوم مطير"، وهذا يعني أن الجمعة لم تُصل أصلا لعدم تعدد الجمع عندهم يومئذ، ولا يعني ذلك جواز التخلف عن الجمعة بسبب المطر فحسب، بل لم تقم الصلاة أصلا في هذا الموضع بسبب المطر، واحتجوا بهذا الحديث.
ثانيا: حديث نافع، قال: أذن ابن عمر في ليلة باردة بضجنان، ثم قال: صلوا في رحالكم، فأخبرنا "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مؤذنا يؤذن، ثم يقول على إثره: «ألا صلوا في الرحال» في الليلة الباردة، أو المطيرة في السفر". رواه البخاري في صحيحه.
وقد قاس ابن عمر الريح على المطر، فقد نقل الزرقاني عن الباجي في شرحه على الموطأ قوله: «قاس ابن عمر الريح على المطر، والعلة الجامعة بينهما المشقة اللاحقة»، مما جعل الفقهاء المعاصرين يقيسون بهذه العلة ما يستجد لديهم مما هو مساوي أو أولى من الريح والمطر، فقالوا: إن مشقة الخوف من الوباء المتعلق بالنفوس من باب أولى أن يكون عذرا لإيقاف الجمعة والجماعة لمنع انتشار العدوى، وبغض النظر عما يمكن أن يناقش به هذا الاستدلال من التفريق بين العذر وبين الإلزام بمنع ارتياد المساجد بقرار يعاقب على عدم الالتزام به، لكن المقصد هو بيان توظيف الفقهاء المعاصرين لهذا النص النبوي في هذه النازلة، واسترشادهم به للقول بشرعية الإلزام بالتباعد والحجر الصحي.
ولا يقال إن النص وارد في السفر فقط، أو للجماعة دون الجمعة، فقد فهم الشراح عدم الاختصاص بالسفر ولا بالجماعة، بل قاسوا الحضر على السفر، كما قـال القاضـي عيـاض: وقيـاس الأمـرين في السـفر والحضـر واحـد وللجماعـة وللجمعة، إذا كانت المشقة، لكن حضور الجماعة فضيلة وسنة، وحضور الجمعة فريضة وحتم. انتهى من إكمال المعلم.
ثالثا: حديث ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه، عذر»، قالوا: وما العذر؟، قال: «خوف أو مرض، لم تقبل منه الصلاة التي صلى» رواه أبو داود في السنن.
وهذا الحديث نص في العذر بالخوف والمرض عن شهود الجمعة والجماعة، وقد انفتح العلماء قديما وحديثا على التعليل والمقايسة من خلال هذا النص وغيره، قال البيهقي في السنن الصغير: «وما كان من الأعذار في معناها فله حكمها»، فاستفاد العلماء المعاصرون من هذا الحديث في مسألة منع الصلاة في المساجد أن الاجتماع في المساجد مظنة انتقال العدوى، مما سيؤدي إلى تعريض نفوس المصلين للوباء، وربما أدى للهلاك في بعض الحالات، ولا يمكن للشريعة أن تعتبر بالمطر والريح، ولا تعتبر بمثل هذا الوباء في العذر، فالشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
رابعا: حديث أبي سلمة، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يوردن ممرض على مصح» رواه البخاري في صحيحه.
وقد استفاد الفقهاء من هذا الحديث في مدافعة الوباء من خلال ضرورة الالتزام بالتباعد الاجتماعي والحجر زمن الوباء، واستدلوا بالحديث على مشروعية تلك الإجراءات المتوافـقة مـع مقاصـد الشـريعة الإسـلامية، لأن وباء كورونا المستجد ثبت طبياً ضررُه، وفتكـُه بصـحة الإنسـان، وسـرعة تفشـيه، وانتقالــه عـبر التواصـل المباشــر مـع المصـاب.
خامسا: حديث عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال: كان في وفد ثقيـف رجـل مجـذوم، فأرسـل إليه النبي: "أن قد بايعناك فارجع". رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وعنه أخرجه مسلم في صحيحه «بمثله».
فهذا الحديث من الأحاديث التي استند إليها الفقهاء المعاصرون في تأصيل الإجراءات الوقائية من فايروس كورونا، وقد تواترت أقوال العلماء الأقدمين على حكم عزل المريض ومنعهم من مخالطة الناس، أثناء شرحهم لهذه الواقعـة وغيرهـا؛ فقـد أورد ابـن أبـي شـيبة في مصـنفه أحاديـث عـن المجذومين ضمن باب سماه "باب الرخصة في الطيرة والتباعد من المجذوم".
وقال ابن رجب في فتح الباري: "وكذلك يمنع المجذوم من مخالطة النـاس في مسـاجدهم وغيره، لما روي من الأمر بالفرار منه".
وقال الحـافظ ابـن حجـر في فتح الباري : "واختلـف العلمـاء في المجـذومين إذا كثـروا هـل يمنعون من المساجد والمجامع؟ وهل يتخذ لهم مساكن منفرد عن الأصحاء؟".
ولذا حرص النبي على أن لا يصـافحه وأن لا يخـالط أصـحابه حفاظـا عليهم، وهذا ما تم توجيه الناس إليه للتـوقي مـن وبـاء كورونـا، وهـو عـزل المصـاب (الحجـر الصـحي)، وعـدم مخالطـة المـريض دون اتخـاذ الأسـباب الواقيـة، وهذا موافق لهدي النبي في الحرص على عدم انتشار الوباء والمرض بين الأفراد.
وقــال ابــن القــيم في معــرض حديثــه عــن النهــي عــن مخالطــة المجــذوم: "والأطباء تأمر أن لا يجالس المسلول ولا المجذوم، يريـدون بـه معنـى تغيـر الرائحـة وأنها قد تسقم من أطال اشتمامها". انتهى من الطب النبوي.
قال الوزير ابن هبيرة في الإفصاح عن معاني الصحاح: "وفيـه - أي الحـديث - أن لا يوقـع الإنسـان نفسـه في التهلكة".
وما سبق ذكره يدل على صحة مسلك العلماء قديما وحديثا في فهم هدي النبي في التعامل مع المصاب بوباء، بأن يتقـى مخالطته، وهذا من شفقته ورفقه ورحمته بأمته.
وهكذا نجد أن الشريعة الإسلامية رائدة في طرق الوقايـة مـن الأوبئة، من خلال ما تستند إليه من النصوص الهادية، ومن خلال تشجيعها على البحث والاكتشاف، ومرونتها القابلة للموازنة بين المصالح والمفاسد، ومنهجها في التغليب بين المفاسد المتزاحمة، وحرصها على سلامة النفوس، ولو بتأخير ما كان مقدما في الأحوال الطبيعية، من الجمع والجماعات، والحج والعمرة، وغيرها من الشعائر الدينية، بمقابل دفع الضرر العام، فهذا كله يؤكد على ما تختص به هذه الشريعة المطهرة من الدمج بين ربانية المصدر، والانفتاح على الاجتهادات الفقهية المنضبطة، مما يجعلها قادرة على مواجهة الصعوبات والتحديات، وبيان سبل التعامل مع مثل هذه الأمراض المعدية، والأوضاع الاستثنائية التي أربكت أحدث الأنظمة الصحية، والخطط الاحترازية.