وظائف المسجد في السنة النبوية - الوظيفة الاجتماعية

11/01/2026| إسلام ويب

 
من أهم الوظائف والأدوار التي تناط بالمسجد الوظيفة الاجتماعية، فكما أن المسجد له وظيفة تعليمية وتربوية، فكذلك يسعى المسجد إلى التنمية الاجتماعية من خلال تقوية الروابط بين أفراد المجتمع، والقيام بأدوار إنسانية تكافلية، وكل ذلك دلت عليه السنة النبوية والتجربة العملية في العهود المفضلة.

 أولا: دور المسجد في التكافل الاجتماعي بين المصلين:

 لم يكن المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم معزولا عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس خارج المسجد، بل كان يدمج بين التربية الإيمانية والتربية الاجتماعية، فالمسجد ملاذ للفقراء والمحتاجين، وفيه تقام أعمال البر والإحسان، ومن خلاله يدعى الناس إلى ذلك.

 وفدُ مُضَر:

 ففي صحيح البخاري عنالمنذر بن جرير، عن ‌أبيه قال: « كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، فجاءه قوم حفاة عراة ‌مُجْتابي النِّمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضَر بل كلهم من مُضَر، فتمعَّر وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة فدخل، ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: (يا أأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة) إلى آخر الآية (إن الله كان عليكم رقيبا)، والآية التي في الحشر:  )اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا اللهتصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة". قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت قال: ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام، وثياب حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجرُ من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووِزْرُ من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".

فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى المسجد، وأقام فيه حملة إغاثية، وحث الناس على الصدقة والبذل من القليل والكثير، فلم يزل يحثهم على ذلك حتى اجتمع لديه المال الكثير، استطاع من خلاله أن يغيث به هؤلاء المحتاجين، واستطاع أن يصنع هذا الشعور الاجتماعي من خلال المسجد الذي يجمع بين الشعائر والتكافل.

 أهل الصفة:

 الصُّفَّة: هي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه، كان يأوي إليه الغرباء والفقراء من الصحابة رضي الله عنهم ويبيتون فيه، وكانوا يقلون ويكثرون، ويسمون أصحاب الصفة.

ويتجلى الجانب الاجتماعي للمسجد من خلال أهل الصفة بإطعامهم، وإيثارهم ولو بالقليل، ووجودهم من حكمة الله حتى يتربى المجتمع على الإيثار والتكافل فيما بينهم ولو بالقليل.

ففي البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ن كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، وَإِنْ ‌أَربعٌ ‌فخامسٌ، أَوْ سادسٌ".

فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم طعام أهل الصفة مسؤولية مجتمعية، يتفاعل معها الجميع، فالمصلي يأتي لأداء الصلاة، فإذا خرج من المسجد انتظرته فريضة أخرى لا تقل أهمية عن التي أداها وهي فريضة إطعام الجائعين، فيرجع إلى بيته بمجموعة من أهل الصفة، ولا مجال للاعتذار بقلة الطعام، فالذي يكفي لاثنين يكفي لثلاثة، وهكذا

ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبنا في قدح، فقال: "أبا هِرْ، إِلْحَقْ ‌أهلَ ‌الصُّفَّةِ فادْعهم إليَّ".

وفي حديث التبكير إلى الجمعة تنبيه على أهمية الجانب الاجتماعي كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، ‌فكأنما ‌قرب ‌بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر"، فقد شبه المُبَكِّر للجمعة بالمتصدق ببدنَة، ثم ببقرة وهكذا، والمشبه به أعلى رتبة من المشبه، وفي هذا ربط بين العبادة البدنية المحضة وبين العبادات المتعدية التي تتصل بالمجتمع، وهذا الربط النبوي الرائع يشكل الذهنية المسلمة على ملاحظة الجانبين، وعدم التفريط بأحدهما لحساب الآخر.

ثانيا: دور المسجد في تقوية الروابط بين المصلين:

كان المسجد ملتقى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه يسمع أخبارهم، ويتفقد غائبهم، كما جاء عن قرة بن إياس المزني رضي الله عنه: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يجلس إليه نفر من الصحابة، وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "تحبه"؟ فقال: يا رسول الله أحبك الله كما أحبه، فهلك (مات)، فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه، فحزن عليه، ففقده النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ما لي لا أرى فلانًا"؟! فقالوا: يا رسول الله: بنيه الذي رأيته هلك، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن بنيه فأخبره بأنه هلك، فعزاه عليه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "يا فلان أيما كان أحب إليك أن تمتع به عمرك، أو لا تأتي غدًا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدْتَه قد سبقك إليه يفتحه لك"؟ قال: يا نبي الله: بل يسبقني إلى الجنة فيفتحها لي، لهو أحب إليَّ، قال صلى الله عليه وسلم: "فذاك لك"، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، جعلني الله فداءك، أله خاصة أو لكلنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: "بل لكلكم". رواه النسائي.

وروى الحاكم في مستدركه عن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَتَعَهَّد الأنصار، ويَعُودهم، ويسأل عنهم".

وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: أصيبسعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، يقال له حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي صلى الله عليه وسلم ‌خيمةً في المسجد ليعوده من قريب".

ولم يكن المسجد معزولا عن الحياة المدنية، بل كان دارا للقضاء وفصل الخصومات، كما في البخاري عَنْ كعب أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كان له عليه في المسجدِ، فارتفعت أَصْوَاتُهُمَا حتى سمعها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وهو فِي بيته، فخرج إِليهما حتى كشف سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادى: "يَا كَعْبُ قَالَ: لبيك يا رسولَ اللهِ. قَالَ: "ضَعْ ‌مِنْ ‌دَيْنِكَ هذا"، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيِ: الشَّطْرَ قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "قُمْ فَاقْضِهِ".


ثالثا: دور المسجد في توجيه قضايا المجتمع:

للمسجد جانب اجتماعي آخر، وهو معالجة القضايا المجتمعية، من خلال التوجيه الصحيح، بالدرس والخطبة والموعظة، فالخطاب الديني له مكانة وقدسية في نفوس المسلمين، وبإمكانه التأثير على المصلين بسلطة النص الشرعي الذي لا يستطيعون معارضته.

وقد كان الخطاب النبوية حاضرا في القضايا المجتمعية، سواء ما يتعلق بمواضيع الأسرة من النكاح والطلاق، والعلاقة الزوجية، أو ما يتعلق بمواضيع الحقوق والواجبات بين الناس، من حقوق الجيران، وحقوق العمال والأجراء، أو التعامل مع غير المسلمين من سكان المدينة، أو المواضيع المتعلقة بالظواهر الاجتماعية السلبية، وكثيرا ما كان يبدأ التنبيه إليها بقوله: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا"، وكان يكثر التحذير من الأمراض الاجتماعية التي تفتُّ في عضد المجتمع، كالحسد، والكبر، والغش، والخداع، والتعامل بالربا، والتطفيف، والرشوة، والنجش، وكثير من السلوكيات التي تضر بالمجتمع.

وقد كان المسجد يربي على الشعور بقضايا المجتمع، ويغرس الوحدة الشعورية بينهم في الفرح والحزن.

ففي القنوت كان يدعو فيه النبي صلى الله عليه وسلم بما يعزز الشعور بقضايا المسلمين، كما كان يدعو على من قتل أصحابه في بئر معونة، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحاب ‌بئر ‌معونة ثلاثين غداة، على رِعْلٍ وذَكْوَان، وعُصَيَّة، عصت الله ورسوله".

وهذا الدمج بين الوظيفة الدينية والاجتماعية للمسجد كان موضع إعجاب وإدهاش لغير المسلمين، يقول الكاتب الفرنسي لويون في كتابه حضارة العرب: "المسجد مركز الحياة الحقيقي عند العرب، فالعرب يتخذون المسجد محلا للاجتماع، والعبادة، والتعليم، والسكن عند الاقتضاء، وملاجئ للغرباء، ومراجع للمرضى، ومشاف، ومدارس، وهكذا يتجلى اختلاط الحياة الدينية بالحياة المدنية عند المسلمين في مساجدهم".

وبهذه الإشارات الموجزة يتضح أهمية الدور الاجتماعي للمسجد، والسنة النبوية حافلة بالشواهد على أن المسجد مجمع الأبدان والأرواح، ومن أسمائه (الجامع)، فهو يجمع الناس ويؤلفهم ويعيد صياغة عقولهم ووجدانهم وفق مراد الخالق ومراعاة حقوق المخلوقين، ويجب أن يعاد للمسجد دوره في بث روح الأخوة، والتكافل، والتناصح، والترابط، ولا يقتصر دوره على مجرد أداء الشعائر والعبادات البدنية فقط.

www.islamweb.net