تراجم القراء العشرة: يزيد بن القععاع (8)

18/08/2026| إسلام ويب

يزيد بن القعقاع الإمام، أبو جعفر المخزومي المدني القارئ، أحد القراء العشرة، تابعي مشهور كبير القدر. عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، وروى عنهم. قال ابن الجزري (ت833هـ): "روينا عنه أنه أُتِيَ به إلى أم سلمة وهو صغير، فمسحت على رأسه، ودعت له بالبركة، وصلى بابن عمر، وأقرأ الناس قبل الحرة والحرة سنة ثلاث وستين، روى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم (ت169هـ)، وسليمان بن مسلم بن جمَّاز، وعيسى بن وردان. حدث عنه مالك الإمام، وعبد العزيز الدراوردي (ت186هـ)، وعبد العزيز بن أبي حازم (ت184هـ)، وقد وثقه يحيى بن معين (ت233هـ) والنسائي (ت303هـ). قال يحيى بن معين: كان إمام أهل المدينة في القراءة، فسمي (القارئ) بذلك، وكان ثقة قليل الحديث. 

قال ابن الجزري في "غاية النهاية" عن قراءة أبي جعفر: "والعجب ممن يطعن في هذه القراءة، أو يجعلها من الشواذ، وهي لم يكن بينها وبين غيرها من السبع فرق". وقال في "منجد المقرئين": "أما أبو جعفر، يزيد بن القعقاع، فروى عنه قراءته أحد القراء السبعة، وهو نافع بن عبد الرحمن، وأقرأ بها القرآن، ورواها عنه جماعة منهم قالون (ت220هـ) وكان أبو جعفر قد عرض القرآن على حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وعرض عبد الله بن عباس على أبي بن كعب رضي الله عنه، وعرض أبي بن كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدَّم عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أبا جعفر يزيد بن القعقاع يؤم الناس بالكعبة، وصلى ورائه عبد الله بن عمر".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ): "ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة، ولكن من لم يكن عالماً بها، أو لم تثبت عنده، كمن يكن في بلد بالمغرب أو غيره، فليس له أن يقرأ بما لا يعلمه، فإن القراءة سنة يأخذها الآخر عن الأول، ولكن ليس له أن ينكر على من علم ما لم يعلمه من ذلك".

وقال الذهبي (ت748هـ): "وما رأينا أحداً أنكر الإقراء بمثل قراءة يعقوب وأبي جعفر، وإنما أنكر من أنكر القراءة بما ليس بين الدفتين". 

وقد عنون ابن الجزري للباب الثالث من كتابه "منجد المقرئين" بقوله: "الباب الثالث: في أن العشر لا زالت مشهورة من لدن قرئ بها إلى اليوم، لم ينكرها أحد من السلف ولا من الخلف". وقال أيضاً: "وما زال المقرئون أحد رجلين: إما مقرئ بما زاد على السبعة، بل والعشرة، وإما مقرئ بالسبعة فقط، غير منكر على من أقرأ بالعشرة أو الثلاثة الزائدة عليها...وشهد في إجازاتنا بها علماء الإسلام الأعلام".

وروى ابن جماز أن أبا جعفر كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وهو صوم داود عليه السلام، واستمر على ذلك مدة من الزمان، فقال له بعض أصحابه في ذلك، فقال: "إنما فعلت ذلك أروّض به نفسي لعبادة الله تعالى".

قال ابن الجزري: وقرأت بخط الأستاذ محمد بن إسرائيل بن أبي بكر، أبو عبد الله، المعروف بالقصاع (ت671هـ)، أن أبا جعفر كان يصلي في جوف الليل أربع تسليمات، يقرأ في كل ركعة بالفاتحة وسورة من طوال المفصل، ويدعو عقيبها لنفسه والمسلمين، ولكل من قرأ عليه، وقرأ بقراءته بعده وقبله.

وعن نافع قال: لما غُسِّل أبو جعفر بعد وفاته، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده مثل ورقة المصحف، قال: فما شك أحد ممن حضر أنه نور القرآن. 

وعن سليمان بن مسلم بن جمَّاز، قال: "رأيت أبا جعفر على الكعبة -يعني في المنام- فقلت: أبا جعفر؟ فقال: نعم، أقرئ إخواني السلام، وأخبرهم أن الله جعلني من الشهداء الأحياء المرزوقين".

قال ابن الجزري: "وجدت بخط أبي عبد الله محمد بن إسرائيل القصاع أنه -يعني أبا جعفر- رُئي في المنام بعد وفاته على صورة حسنة، فقال للذي رآه: بشّر أصحابي، وكل من قرأ قراءتي، أن الله قد غفر لهم، وأجاب فيهم دعوتي، ومرهم أن يصلوا هذه الركعات في جوف الليل كيف استطاعوا".

قال ابن جمَّاز: أخبرني أبو جعفر حين كان يمر به نافع، يقول: "أترى هذا كان يأتيني وهو غلام، فيقرأ علي، ثم كفر بي، وهو يضحك".

مات أبو جعفر بالمدينة سنة ثلاثين ومئة (130هـ)، وقيل في تاريخ وفاته غير ذلك.

هذا، واشتهر برواية قراءة أبي جعفر راوياه: عيسى بن وردان، وسليمان بن جمَّاز: 

* عيسى بن وردان، أبو الحارث المدني الحذاء: إمام مقرئ حاذق، وراوٍ محقق ضابط. عرض على أبي جعفر وشيبة بن نصاح (ت130هـ)، ثم عرض على نافع، وهو من قدماء أصحابه، قال أبو عمرو الداني (ت444هـ): "هو من جلة أصحاب نافع وقدمائهم، وقد شاركه في الإسناد، عرض عليه اسماعيل بن جعفر (ت180هـ)، وقالون، ومحمد بن عمر الواقدي (ت207هـ). قال ابن الجزري: "مات في ما أحسب في حدود الستين ومئة".

* سليمان بن مسلم بن جمَّاز -بالجيم والزاي مع تشديد الميم- أبو الربيع الزهري، المدني: مقرئ جليل ضابط. عرض على أبي جعفر القعقاع وشيبة بن نصاح، ثم عرض على نافع، وأقرأ بحرف أبي جعفر ونافع. عرض عليه إسماعيل بن جعفر، وقتيبة بن مهران. قال ابن الجزري: "مات بعد السبعين ومئة في ما أحسب".

قال الداني: "كانت مقرأة سليمان بن مسلم الهمز وإتمام المدات، مثل مقرأة أهل الأندلس، أي: مثل رواية الغازي بن قيس شيخ الأندلس (ت199هـ) عن نافع؛ لأنه أول من أدخل مقرأته الأندلس، وأقرأ بها، وعليها نقط مصاحفهم القديمة". 

www.islamweb.net