
التنمر هو سلوك عدواني متكرر يصدر من شخص أو مجموعة تجاه شخص آخر أو أشخاص آخرين بقصد السخرية أو الإيذاء أو الإهانة أو الإذلال، سواء كان ذلك بالكلام أو بالفعل أو حتى بالإشارة أو التجاهل. ويختلف التنمر عن المزاح أو المضايقات البسيطة وفقا لثلاثة معايير، هي:
- التعمد.
- التكرار.
- اختلال القوة.
من صور التنمر
وللتنمر أشكال وأنواع متعددة، ومنها:
- التنمر البدني، مثل: الضرب، أو اللكم، أو الركل، أو السرقة وإتلاف الأغراض.
- التنمر اللفظي، مثل: الشتائم، والتحقير، والسخرية، وإطلاق الألقاب، والتهديد.
- التنمر الاجتماعي، مثل: التجاهل أو الإهمال بطريقة متعمدة، أو الاستبعاد، أو نشر شائعات عنه.
- التنمر النفسي، مثل: النظرات السيئة، والتربص، التلاعب وإشعار المتنمَّر عليه بأن التنمر من نسج خياله.
- التنمر الإلكتروني، مثل: السخرية والتهديد عن طريق الإنترنت عبر الرسائل الإلكترونية، أو الرسائل النصية، أو المواقع الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي، أو أن يتم اختراق الحساب والحصول على صور أو معلومات والتهديد والابتزاز بها.
حكم التنمر
والتنمر بكل أنواعه سلوك مذموم شرعًا، مخالف لما أمرنا الله تعالى به من حسن الخلق، والرفق بالناس، والإحسان إلى الآخرين. ويتضح ذلك من خلال النقاط التالية:
أولاً: نظرة الإسلام إلى احترام كرامة الإنسان:
الإسلام دين الرحمة والعدل، وقد كرم الله عز وجل الإنسان فقال سبحانه:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70].
فالتنمر اعتداء على هذا التكريم، وامتهان لكرامة الإنسان التي وهبه الله إياها.
ثانياً: النهي عن السخرية والاستهزاء:
من أشكال التنمر أن يسخر الإنسان من غيره، أو يستهزئ به بسبب شكله، أو اسمه، أو لهجته، أو ضعفه، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ} [الحجرات: 11].
فالسخرية ليست من صفات المؤمنين، بل هي من صفات المتكبرين والمعتدين الجاهلين.
ثالثاً: حرمة إيذاء المسلم:
قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 58]. والمعني: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بقول أو فعل من غير ذنب عملوه، فقد ارتكبوا أفحش الكذب والزور، وأتوا ذنبًا ظاهر القبح يستحقون به العذاب في الآخرة.
ويقول الفضيل رحمه الله: "لا يحلّ لك أن تؤذيَ كلبًا أو خنـزيرًا بغير حقّ، فكيف بمن هو أكرم مخلوق؟!".
إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلن أن:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" [رواه البخاري ومسلم].
فمن آذى أخاه بالكلام الجارح، أو نشر عنه الشائعات، أو ضربه أو ضيق عليه، فقد خالف تعاليم الإسلام، وتعدى حدود الله.
أضرار التنمر
مما لا شك فيه أن التنمر جريمة أخلاقية واجتماعية، وتترتب عليه الكثير من الأضرار، وأهم هذه الأضرار:
أولاً: الأضرار النفسية
يترك التنمر أثرًا نفسيًا عميقًا في نفس الضحية، ومن أبرز آثاره:
- القلق والتوتر المستمر.
- الاكتئاب والعزلة الاجتماعية.
- فقدان الثقة بالنفس.
- الشعور بالذنب أو الخجل من الذات.
- التفكير في إيذاء النفس أو الانتحار (في الحالات الشديدة).
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا" [رواه مسلم].
فهذه التوجيهات النبوية تربي المسلم على حسن المعاملة، وتجنبه أسباب الأذى النفسي.
ثانيًا: الأضرار الجسدية
- التنمر الجسدي قد يؤدي إلى إصابات مباشرة مثل الكدمات والكسور.
- كما يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات صحية نتيجة التوتر المزمن مثل مشاكل النوم أو اضطرابات في الشهية.
ثالثًا: الأضرار الاجتماعية
- ضحية التنمر غالبًا ما يفقد القدرة على الاندماج الاجتماعي.
- يتراجع أداؤه الدراسي أو المهني نتيجة التشتت أو الخوف.
- قد يشعر بأنه مرفوض من المجتمع، مما يؤدي إلى انسحاب اجتماعي طويل الأمد.
وهذا كله قد يجعل من التنمر كبيرة من الكبائر، خاصة إذا ترتب عليه أذى كبير أو ظلم واضح.
مسؤولية الأسرة والمجتمع في مواجهة التنمر:
من واجب الأسرة والمدرسة والمجتمع الوقوف بحزم ضد هذا السلوك، بتربية الأبناء على الرحمة واللين، وغرس قيم التعاون والاحترام، وتعليمهم أن القوة ليست في الاعتداء على الضعفاء، بل في كبح النفس عن الظلم.
ومن جانب آخر ينبغي تربية الأطفال خصوصا على مواجهة التنمر، وتعليمهم الأساليب التي يستعينون بها على ذلك، ومنها:
- زرع الثقة بالنفس في نفوسهم.
- الحديث معهم عن التنمر وأساليبه وكيفية التصرف عند حدوثه.
- أن يتحدث مع الوالدين أو أحد الأقارب عما يواجهه من مضايقات وتنمر.
- الدفاع عن النفس والمواجهة عند القدرة.
- الابتعاد عمن يتنمر عليه وعدم إظهار الاهتمام.
- ألا يكون وحيدا أغلب الوقت، وأن يتكلم بصوت عال عندما يحاول أحدهم إيذاءه لجذب انتباه الآخرين لمساعدته.
- أن يتكلم مع من يثق به كأحد المدرسين وأن يطلب المساعدة.
خاتمة:
التنمر سلوك لا يرضاه الله، وهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان رحيمًا بالناس، لا يؤذي أحدًا، ولا يستهزئ بأحد. فعلينا أن نقتدي به، وأن نكون عونًا للناس لا أذى لهم.
قال صلى الله عليه وسلم:"من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" [رواه مسلم]. فلنكن ممن ينفسون الكربات، لا مَن يصنعونها.