تأملات فقهية في يقظة النبي ﷺ يوم الأحزاب

02/11/2026| إسلام ويب

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل في حياته على أنه مجرد رسول يتلقى الوحي من الله تعالى ويبلغه الناس؛ بل كان صلى الله عليه وسلم إضافة إلى ذلك يتعامل في حياته على أنه قائد أمة، أو رئيس دولة، ينظر فيما يصلحها ويحقق مصالح بما يتوافق والشرع الذي جاء به، ومن تعاملاته تلك: يقظته صلى الله عليه وسلم  لتحركات يهود خيبر يوم الأحزاب.

أولًا: خبر وفد خيبر
 
ذكر أهل السير والمغازي: أن الذي تولى كبر تدبير معركة الأحزاب هم يهود خيبر بقيادة: حُيي بن أخطب، وقد كان من خبرهم كما ذكر أهل السير: أن وفدًا من يهود خيبر وهم: سلام بن أبي الحقيق، وحُيي بن أخطب، وكنانة بن الربيع وغيرهم، خرجوا إلى مكة وإلى قبائل غطفان وفزارة وغيرها، وألبوها على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووعدوهم المدد، وأن دينهم خير من دين محمد، وقد نجح ذلك الوفد في مهمته التي خرج لأجلها.
الذي يلفت الأنظار في هذا المقام: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عالمًا ومتتبعًا لتحركات هذا الوفد مذ خرج من خيبر حتى رجع إليها، علم صلى الله عليه وسلم بأسماء الوفد الذي خرج ولماذا خرج، وعلم صلى الله عليه وسلم بوصوله إلى مكة وما دار بينهم وبين قادة قريش، وبما قدمه وفد خيبر لقادة قريش حتى وافقوهم الدخول في هذه المعركة، وعلم صلى الله عليه وسلم بما أجاب به أبو سفيان الوفدَ وبما سأله عن دينهم ودين محمد صلى الله عليه وسلم، وعلم صلى الله عليه وسلم بذهاب وفد خيبر إلى غطفان وغيرها، وبما قدمه الوفد لغطفان ولغيرها من قبائل العرب حتى وافقوهم الدخول في هذه الحرب، وعلم صلى الله عليه وسلم عدد المقاتلين الذي استطاع وفد خيبر حشده لهذه المعركة من قريش وغطفان ومن الأحابيش أيضًا، أربعة آلاف من قريش، وستة آلاف من غطفان وبعض القبائل والأحابيش، وعلم صلى الله عليه وسلم برجوع الوفد إلى خيبر بعد ذلك؛ ولذا جمع صلى الله عليه وسلم أصحابه واستشارهم فيما يفعلونه لمواجهة هذه المؤامرة الكبيرة حولهم، فقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: "إنَّا إذ كنا بأرض فارس ‌وتخوفنا الخيل خندقنا علينا، فهل لك يا رسول الله أن نخندق؟ فأعجب رأي سلمان المسلمين". مغازي الواقدي.
يقول محمد أحمد باشميل: "ولم تكن المدينة غافلة عما يجرى ضدها في مكة وبين مضارب البدو في نجد، فقد كانت استخباراتها العسكرية على غاية من التيقظ والنشاط، فقد كان رجالها يتتبعون حركات الوفد اليهودى منذ فصل من خيبر في اتجاه مكة، وكانت على علم تام بكل ما يجرى بين الوفد اليهودى وبين قريش (أولًا) ثم غطفان ثانيًا. فكان رجال هذه الاستخبارات يبعثون بمعلوماتهم الخطيرة عن مفاوضات الأحزاب، أولًا بأول. فظل المسلمون على غاية من الحذر والترقب ينتظرون النتائج النهاية للمساعى التي كان يقوم بها وفد خبير لدى تلك القبائل العربية المعادية للمسلمين. وبمجرد حصول الوفد اليهودى على موافقة قريش وغطفان على إنشاء الإتحاد العسكري الثلاثي المؤلف من اليهود وغطفان وقريش تلقت المدينة من رجال استخباراتها هذا النبأ الخطير، كما تلقت المدينة بعد ذلك من رجال استخبارات جيشها ما يجب أن تحصل عليه من معلومات دقيقة عن مبلغ قوة جيوش الأحزاب وعدد جنوده وأسماء قادته ومتى سيكون ميعاد تحركه نحو المدينة. وفور حصول المدينة على هذه المعلومات عن العدو، شرع الرسول صلى الله عليه وسلم في اتخاذ الإجراءات الفورية الدفاعية اللازمة، ودعا إلى اجتماع عاجل حضره كبار قادة جيشه من المهاجرين والأنصار، بحث فيه معهم هذا الموقف الخطير الناجم عن مساعي اليهود الخبيثة". 
 
ثانيًا: تأملات فقهية
 
هذا موقف واحد من مواقف معركة الأحزاب الكثيرة، ولكنه موقف فيه الكثير من الدروس والعبر لمن تأمل، ومن ذلك:
1. أن الوحي لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم عن بشريته، بل كان صلى الله عليه وسلم يتصرف كغيره من البشر، فهو قائد يعمل لتحقيق مصالح دولته وجماعته، ويأخذ بأسباب الحيطة والحذر، ولذا لم ينزل الوحي فيأمره صلى الله عليه وسلم بتتبع تحركات وفد يهود خيبر، وإنما تصرف صلى الله عليه وسلم في ذلك من دافع بشري، ليجعل من تصرفه صلى الله عليه وسلم هذا سنةً وهديًا لغيره من القادة والكبار أن يحتاطوا لدولهم ولجماعتهم ولأنفسهم من عدوهم، ولا يظنوا أن ما فعله صلى الله عليه وسلم مع عدوه إنما كان لأمر الوحي فقط.
2. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يملك جهاز استخبارات ورصد لتحركات أعدائه، وهذا من أسس ومزايا سياسته الرشيدة صلى الله عليه وسلم، وذلك حتى تكون مواقفه صلى الله عليه وسلم تجاه أعدائه مبنية على معلومات دقيقة، وليس على مجرد الإشاعات أو الأقاويل، وهذا ما ينبغي أن تقوم عليه الدولة المسلمة في سياستها تجاه أعدائها.
3. أن يقظة الدولة وحيطتها وحذرها من عدوها تجعلها تكشف المؤامرات التي تحاك ضدها قبل وقوعها، فتتخذ كل الإجراءات التي تواجهها بها، وكذا ينبغي على المسلم أن يكون حذرًا ويقظًا مما يدور حوله، ولا يكون غافلًا يُستغل أو يُوظف فيما يضره أو يفسد عليه دينه. قال عمر رضي الله عنه: "لستُ بالخبِّ، ولا الخبُّ يخدعني" أي: لستُ رجلًا ماكرًا خبيثًا، ولكني أيضًا لستُ ساذجًا يُخدع بسهولة.
4. لم يستقل النبي صلى الله عليه وسلم بالقرار بعد حصوله على معلومات حول تحركات أعدائه؛ بل استشار أصحابه في الموقف منهم، وخرجت مشورتهم بقرار كان فيهم نفعهم ونصرهم، وهكذا ينبغي أن توظف المعلومات الاستخباراتية وغيرها في قرار جماعي شوري حتى يكون فيه المصلحة أو إصابة الحق ما أمكن.
 
لم يكن رصد النبي صلى الله عليه وسلم وتتبعه تحركات وفد يهود خيبر شأنًا خاصًا به صلى الله عليه وسلم وبمن معه، بل كان سنةً وهديًا ومنهجًا لأمته، يزرع فيهم ضرورة أخذ الحيطة والحذر، والمشاورة في الأمور العظيمة.

 

www.islamweb.net