
الخطبة الأولى
الحمد لله؛ بَوَّأ لخليله إبراهيم عليه السلام مكان البيت العتيق، وجمع لمن قصده مخلصاً أسباب التوفيق. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: ها هم حجاج بيت الله الحرام تتوافد أفواجهم إلى تلك الأرض الطيبة المباركة في خطاً وئيدة متهيبة.
معاشر المؤمنين: إن فيضاً دفاقاً من المشاعر والأحاسيس يملك عليك روحك وقلبك، وأنت تقلب بصرك الثاقب وبصيرتك الواعية، فإذا أنت تعيش خُطا محمد صلى الله عليه وسلم، وصحبِه رضي الله عنهم وأرضاهم في صورةٍ حيةٍ نابضة، ومشاعر دافقة، وأشواق حارة في الإقبال على هذا البيت ورب هذا البيت.
أرضٌ مباركة ضمَّت أروع حوادث التاريخ، وأعظم ملاحم الإنسانية، أرض تروي أوديتها وجبالها ووهادها ورمالها تاريخاً عبقاً زاخراً بالبطولات، وألوان الجهاد والانتصارات، ومصارع الشهداء في سبيل الله، وإعلاء كلمة الحق.
أرضٌ تغيرت بسيرتها ومسيرتها معالم التاريخ، وقفزت بالإنسانية إلى أبعد الآفاق في المعالي والحياة الكريمة.
كم وقف بساحاتها من الجموع؟! وكم سالت على ثراها من الدموع؟! وكم ذابت في عرصاتها فوارق الأجناس واللغات؟!
كم تآلفت فوقها قلوب! وفُرِّجت على ثراها كروب! وحُطت فيها من أوزار، وغُفرت ذنوب؟!
كم امتزجت فيها دموع المذنبين! وتعانقت أصوات المستغفرين! وتوحدت رغبات الراغبين؟!
كم تجردت فيها النيات! وسالت على جنباتها العبرات؟!
هذه هي الأرض الطيبة المباركة التي تَقْدُم إليها، فماذا أعددت؟! وكيف تهيأت؟!
أيها المؤمنون: إن الحج عبادة عظيمة تتداخل فيها أنواع من العبادات لا يتيسر تداخلها في غيره: عبادة في المال، وعبادة في البدن، أعمال بالقلوب والألسنة والجوارح، جَمَعت أنواعاً من التعبد عملاً وقولاً ونيةً.
معاشر المسلمين: إن للحج آداباً وتوجيهات على قاصد الحج مراعاتها والأخذ بها، تَلَمُّساً للحج المبرور والعمل المقبول:
أول ذلك وأولاه: إخلاص الدين لله تعالى: فالله لا يقبل من الأعمال إلا خالصها، فهو سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك. فالعبادة مـحض حق الله وحده، لا شريك له، منه الـخير، وبيده الـخير.
إخلاصٌ يحفظ به العبد عقيدته من الزيغ والابتداع، ويكف به جوارحه عن المعاصي والآثام.
إخلاصٌ يبتعد به عن الرياء والسمعة.
إخلاصٌ يقود إلى التوبة، توبةٍ صادقةٍ نصوح، يصحبها الإقلاع عن الذنب، والندم على اقترافه والتحسر على التفريط فيما سلف، توبة يتجدد فيها العزم في هذه البقاع الطاهرة على ألا يعود إلى معصية، متباعداً عن رفاق السوء وبواعث المنكر.
ومن علائم التوبة وصدق التوجه: تحري النفقة والكسب الحلال، ففي الحديث: (إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً) رواه مسلم. وكيف يرجو القبول مَن يمشي بالحرام، ويغتذي بالحرام، ويكتسي بالحرام؟!
كيف يرفع يديه إلى مولاه ليقول: لبيك وسعديك، وهو لم يتزود إلا بالحرام، ولم يركب إلا من الحرام؟!
كيف يمد يديه: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!
وإن من الخوف والورع أن تحاسب نفسك، فتجتنب الإسراف في التنعم والترفه والتكلف في كماليات المعاش والمراكب؛ لتقف موقف صدق في محاسبة جادة، فتكبح جماح الشهوات، وتوثق اللجام من الإغراق في المشتهيات.
إن الحرص على الاستكثار من وسائل الترف يصرف عن آداب الحج وأسراره، وما يستحب من إظهار المسكنة والحاجة والتضرع إلى الله والانكسار بين يديه.
ومما يرجى معه بر الحج تخيُّر الرفقة الطيبة، ذات الصلاح والاستقامة والطاعة والتقى، ممن يرغِّب في الخير، ويعين على الطاعة، ويستمسك بالشرع وآدابه ، ناهيك إذا كان من أهل العلم والفقه في الدين، فاستمسك بغرزه، وخذ بركابه، فذلك مما يعين على مبار الحج ومكارم الأخلاق، رفيق العلم والصلاح يمنع من سوء ما يطرأ في السفر من مساوئ الأخلاق والتساهل في أمور الدين، وربما جعله الله سبباً في الصلاح في الحال والمآل.
ثم لتعلم أنك واجدٌ من صاحبك في بعض الأحيان جفاء ومغاضبة، فاصبر وتحمل وتجمل وباعد عن الخصام الدائم، والعبوس المستمر، فذلك مما تتكدر به الحياة، وتتنكد معه المعيشة، وتسوء به الرفقة، وتتعسر معه الأمور، والأولى لك أن تجد في مكارم أخلاقك ما يديم لك الصحبة، فاحفظ نفسك من مصاحبة الجهال والسفهاء والكذابين والمنافقين والعصاة المجاهرين، فإن مخالطة هؤلاء مجلبة للمأثم، وقائدة إلى السوء.
وتوجه إلى عبادة ربك على علم وبصيرة، وتعلم من أحكام الحج ما تصح به مناسكك، واسأل أهل العلم فيما أشكل عليك، اشتغل بما يقربك من ربك ومولاك، مدركاً عظم الفريضة التي أنت فيها، قَوِّ الصلة بربك في سفرك وإقامتك، وحِلِّك وترحالك، مستعيناً بالله، متوكلاً عليه، أحسن الظن بربك، فهو سبحانه أكرم من أن يخيِّب سعي القاصد لكرمه، أو يحرم مِن رحمته الواسعة مَن لاذ بحرمه، وأكثر لله خضوعك وانكسارك، وداوم على التكبير والتهليل والدعاء والتضرع بحضور قلب وإخلاص سريرة.
هل تأملت كلمات التلبية التي يضج بها الحجيج، وترتج لها جنبات المشاعر؟! إنها كلمات موجزة تتضمن معاني سامية، وأهدافاً عالية: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
ففي التلبية من كليات العقيدة ما يشير إلى الحكمة من اختيارها شعاراً وذكراً في هذا الموسم العظيم لهذا الجمع العظيم.
التلبية إجابة دعوة الله لخلقه حين دعاهم إلى بيته، فالملبي مستسلم منقاد، مستجيب مقيم على الطاعة.
في التلبية توحيد الله سبحانه، وإفراده بالعبادة، ونفي الشريك عنه، فيها من حمد الله والاعتراف بنعمه ما يورث طمأنينةً في النفس، ويفيض بالأمن والأمل والرضا والتفاؤل.
في التلبية الإقرار بالملك لله وحده، فهو سبحانه الملك المتصرف.
إن التلبية نداءٌ للملأ الأعلى ليتجرد الحجيج كلهم من المادية وطغيانها، ويعلنوا المساواة التامة والأخوة الكاملة، لا فرق بين حدودها وألوانها وأجناسها ولغاتها أمام خالقها الواحد الأحد، فكلهم لآدم وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم.
أيها الحاج: اغتنم شرف الزمان وشرف المكان، فاستكثر من الأعمال الصالحة؛ من الصلاة، والصدقة، والإحسان، والبذل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة حسب الطاقة، وما كان الحج مبروراً إلا لاشتماله على البر الجامع لكل خير، إحساناً مع الله، وإحساناً مع عباد الله، فالحج المبرور يملأ القلوب ألطافاً ويطليها محبةً وانعطافاً.
إياك والخوض فيما لا يعنيك، واجتنب الفسوق، والجدال، والسخرية، والمراء، واحفظ لسانك من الغيبة والنميمة، والوقوع في أعراض الناس فذلك خسران مبين، اجتنب المخاصمة، والمشاحنة، وإيذاء الناس.
{ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ * ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (الحج:30-32).
أقول ما سمعتم...وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي هدانا إلى خير منهاج، وجعلنا على طريق مستقيم ليس فيه التباس ولا اعوجاج.
عباد الله: عليكم بتقوى الله في السر والعلن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران:102).
أيها المؤمنون: إن الحج -بلا مراء- مجسد للوحدة بين المسلمين، كل شعائره ومشاعره تدعو إلى الوحدة والتوحيد تلبيةً، ولباساً، وتنقلاً جماعياً بين المشاعر في مناسك موحدة، وحدة تتخطى حدود البيئة والجنس واللغة، إنه توكيد للوحدة الجامعة لكل من ينتسب لهذه الأمة المسلمة.
في الحج تحقيق منافع كبرى يشهدها المسلمون في مناسكهم، ويذكرون اسم الله عليها، منافع عظمى لا تقع تحت حصر، وتتجدد في كل عصر.
وأمة الإسلام وهي تكتوي بلهيب الصراعات والنزاعات بحاجة إلى فقه الحج، والدخول في حرم الله وحرماته؛ لتتخلص نفوس أبنائها من الأنانية، والبغضاء، والكراهية، والشحناء.
أُخُوَّةُ الدين ورابطةُ الحرم تفرض التناصر بين المسلمين، لا تناصر عصبيات عمياء، ولكن تناصر المؤمنين الصالحين المصلحين بإحقاق الحق وإبطال الباطل ورد عدوان المعتدين.
ينبغي أن ننتهز فرصة هذا الموسم العظيم في إفادة هذه الجموع الهائلة والحشود المتكاثرة، واستغلال المناسبة الاستغلال الصحيح لإيصال النافع إليهم، وتأكيد عقيدة التوحيد، ورباط الوحدة، والتذكير بفرائض الإسلام وحرمات المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم وحفظ حقوقهم والدفاع عن قضاياهم.
فاتقوا الله عباد الله، واستمسكوا بدينكم، واعتصموا بعروته الوثقى وحبله المتين، وافقهوا الأحكام، واعملوا بالسنن، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} (آل عمران:101).
ألا وصلُّوا على نبيكم محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.