
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أيها المسلمون:
إن الله تعالى ما حرَّم علينا الحرام وأحلَّ لنا الحلال إلا تيسيراً لنا ورحمة بنا، ولكن بعض الناس أبَى إلا أن يستهينوا بحرمات الله، وويتساهلوا في ارتكابها، وإن أخطر ما يُبتلى به العبد أن يستهين بمعصية الله صغيرة كانت أو كبيرة، فيتساهل في الذنب ويستصغر الخطيئة، حتى يُطبع على قلبه وهو لا يشعر، {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}(النور:15)..
والمشكلة الخطيرة اليوم أن بعض الناس جعلوا الكبائر صغائر، والصغائر لا شيء! فهانت المعاصي في أعينهم، واستهانوا بأمور من الصغائر استهانة ألحقتها بالكبائر، ومن المعلوم أن الذنوب ليست سواء، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ}(النجم:32) وهي صغائر الذنوب.
وقد وضع العلماء للكبائر ضابطا تُعرَف به فقالوا: "الكبائر هي كل ذنب ورد فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة من عذاب، أو غضب، أو عقاب، أو تهديد، أو لعن، في كتاب الله تعالى، أو في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فليست الكبائر محدودة بعدد، ولكنها معروفة بعِظم الوعيد وشدة التحذير.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يتورعون عن الذنب الصغير خشيةَ أن يُهلكهم، يقول أنس رضي الله عنه: " إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمالًا، هي أدَقُّ في أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إنْ كُنَّا لَنَعُدُّها علَى عَهْدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ المُوبِقاتِ " رواه البخاري. وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "إنَّ المؤمنَ يرَى ذنوبَه كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أنْ يقعَ عليه وإنَّ الفاجرَ يرَى ذنوبَه كذبابٍ وقع على أنفِه قال به هكذا، فطار" رواه الترمذي. فالصغيرة مع الإصرار تُصبح كبيرة، والكبيرة مع التوبة تُغْفَر، وهذا معنى قول عبد الله بن عباس رضي الله عنه: "لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ".
نقف اليوم مع طائفة من ذنوب مذكورة في القرآن والسُنة، استهان بها بعض الناس في هذا الزمان، وغفلوا عن خطرها وعِظم جُرمها عند الله عز وجل..
ومن تلك الذنوب الرِشْوة، والله تعالى يقول: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة:188)، فهذا نصٌّ صريح في تحريم الرشوة التي تُدفع للحصول على شئٍ بغير حق، ومعلوم أن المال الحرام وإن كثر فمصيره إلى زوال، وصاحبه إلى وبال، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعنِ الرَّاشي والمُرتَشِي) رواه الترمذي.
وانظروا في حال بعض المجتمعات، اليوم كيف أفسدت الرشوة فيها الذِمم والضمائر، وضاعت بسببها الحقوق، وتبدلت الموازين، وأُكِلَت الأموال، وقُدِّمَ أناسٌ بغير حق، بل إن كثيرًا من الناس غيّروا اسمها تلطيفًا وتحليلا للحرام، فسَمّوها "هديّة" أو "حلاوة" أو "تيسيراً للأمور"، وهي عند الله رشوة ظالمة، لا يغيّر من حقيقتها تبديل الاسم.
ومن الذنوب التي استهان بها بعض الناس: الفرح بالمعصية، وحب الحمد بغير عمل، قال الله تعالى محذرًا: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(آل عمران:188).
فانظروا رحمكم الله إلى حال بعض الناس اليوم، يفرح أحدهم بالمعصية ويفتخر بارتكابها، بل يُحدِّث بها جهارًا بعد أن ستره الله، فينشر صور فسقه على صفحاته ويُفاخر بمعصيته، دون حياء من الله ولا من خَلْقِه، وكأن الذنب صار مفخرةً لا عارًا! وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه) رواه البخاري.
ولا يقتصر الأمر عند البعض على الفرح بالذنب، بل تعدّاه إلى مَنْ يُحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، فينسب أحدهم لنفسه ما لم يصنع، ويدّعي فضلًا لا يملكه، ومن علامات فساد ومرض القلب أن يُفرح صاحبه بالمعصية ويفتخر بها، أو يطلب وينتظر الثناء بغير عمل، والمؤمن الحق من يستحيي من ربه إذا أذنب، ويستغفر إذا أخطأ، ويخفي عمله الصالح كما يخفي سيئته..
ومن الذنوب والمحرمات العظيمة التي استهان بها بعض الناس الانتحار بقتل الإنسان لنفسه، ويظن هذا المنتحر بظنه الفاسد الجاهل وبإيعاز من شيطانه، أن انتحاره فيه الخلاص من همومه وآلامه، وغفل أن الانتحار باب إلى عذاب الآخرة، قال الله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً}(النساء:29-30)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) رواه البخاري.
وتأملوا ـ عباد الله ـ حال من يُقدم اليوم على الانتحار بأنواعه: من ألقى بنفسه، أو ابتلع السموم، أو أهلك نفسه بالمخدرات، أو بجرعات الدواء والمخدرات القاتلة، ظانًّا أنه يهرب من ضيقٍ أو ألم، وما علم أنه ينتقل من عذابٍ زائلٍ إلى عذابٍ دائم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ به جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فأخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بهَا يَدَهُ، فَما رَقَأَ الدَّمُ حتَّى مَاتَ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عليه الجَنَّةَ) رواه البخاري.
فلنُعلِّم أنفسنا وغيرنا الصبر على أقدار الله، ولنغرس في القلوب الأمل برحمة الله، فمهما اشتدّ البلاء فالله سيزيله ويكشفه ولو بعد حين، فاصبر وارضَ وألح على الله بالدعاء، ولا تحزن ولا تيأس، فالبلاء يُكْشَف، والمرض يُشفى، والدَّيْن يُقضى، والشدة تزول، والذنب يُغْفَر، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}(النمل:62)، وقال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}(الأعراف:156)، وقال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(الزمر:53).
ومن المحرمات كذلك التي استهان بها بعض الناس في زماننا هذا: التساهل في الجلوس في الأماكن والمجالس التي يُكْفَر فيها بالله، ويُستهزأ فيها بالدين وأهله، قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً}(النساء:140).
فكم من المسلمٍين اليوم يجلسون في مجالس يُسخَر فيها من الإسلام، ويُعْترَض فيها على الأحكام والآداب الشرعية والسنن النبوية، ويستهزأ فيها بحجاب المرأة المسلمة، باسم "التحضر" و"مواكبة العصر"! يسمع المسلم ذلك ثم يسكت، وربما ضحك أو أقرَّ، غير مبالٍ بخطورة الكلمة والموقف، فينبغي للمؤمن أن يغار على دينه، فليُنكِر بعلم وحكمة ورفق، أو لينصرف من هذا المكان والمجلس، امتثالاً لأمر الله، وخوفاً من أن يُكتب في زمرة المنافقين أو يُصيبَه ما توعَّد اللهُ به المستهزئين..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي أمر بطاعته وحذر من معصيته، وجعل في أوامره الخير والبركة، وفي نواهيه الوقاية والنجاة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله..
أيها المسلمون:
ومن هذه المحرمات التي استهان بها بعض الناس في زماننا: إشاعة ونشر ما يشيع الفساد والفاحشة بين المؤمنين، ويُخرِّب الأخلاق والعلاقات الأسرية تحت مظلة التواصل ووسائل التواصل، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}(النور:19)، وللأسف، بعض الناس يكررون مثل الببغاوات أقوال أعداء الإسلام الذين يريدون نشر الفساد في مجتمعاتنا، فينقلون الفساد إلى بيوتهم وأنفسهم، وبيوت وأسر المسلمين، فيصبحون شركاء في نشره وإثمه، سواء كان ذلك بنشر مقاطع خادشة للحياء، أو بترويج الشائعات والمقاطع الفاسدة على وسائل التواصل المتعددة..
ومن هذه المحرمات أيضا والتي يستهين بها بعض الناس: إيذاء المؤمنين والمؤمنات باللمز والهمز والسخرية، والغيبة والنميمة، أو بالمعاكسات والمضايقات بأنواعها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً}(الأحزاب:58)، ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم على حق المسلم في عدم التعرض له بأي لون ونوع من الإيذاء فيقول: (المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ) رواه البخاري. ولا يقتصر الإيذاء على الكلام، بل يشمل كل فعل يُزعج ويُسيء ويَضر بالآخَرين، مهما بدا بسيطًا أو هينًا، سواء أكان في البيت أو في الشارع، أو عبر وسائل التواصل، فكل هذا من الذنوب التي يجب الحذر منها.. فالحذر كل الحذر ـ عباد الله ـ من هذه المحرمات صغيرها وكبيرها..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..