الرَقَابة لِمَن؟

20/01/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أيها المسلمون:
رقابة البَشر على البشر قاصرة ومحدودة، فطبيعة الإنسان أنه يغفل وينسى، يسهى وينام، يمرض ويموت، أما الرقابة المطلقة التي لا يغيب عنها شيء، فهي رقابة الله عز وجل وحده، التي تشمل علمه ورقابته سبحانه على الظاهر والباطن، والسر والعلن، قال تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}(طه:8:7)
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلا تَقُلْ  خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيْبُ
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ يَغْفَلُ سَاعَةً         وَلا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيْبُ

عِلم البشر قاصر ومحدود، فما وراء الجدران يظل مجهولا بالنسبة لنا، ولكن الله يعلم كل شيء، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، والله سبحانه يسمع ويرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما تُسِرهُ في قلبك، وما تنطوي عليه نفسك، وما تضمره في صدرك، قال الله تعالى: {يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُون}(النحل:19)، وقال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}(غافر:19)، {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(المجادلة:7).
ومن أبرز أساسيات وركائز الإيمان: العلم واليقين برقابة الله، والمراقبة: هي أن يستصحب الإنسان في جميع أحواله، اعتقاده ويقينه بأن الله يراه، ويعلم سره ونجواه، ويعلم ما تكسبه جوارحه، وما يضمره في قلبه، وقد كثرت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تؤكد هذه الحقيقة، ومن ذلك قول الله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ}(البقرة:235)، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(النساء:1)، وقال صلى الله عليه وسلم: (اعبدِ اللهَ كأنك تراهُ، فإن لَم تكن تراه فإنَّهُ يراكَ) رواه الطبراني. وقال ابن القيم: "المراقبة: دوام علم العبد، وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه".

عباد الله: رقابة الله عز وجل لا تغفل عن أي شيء في السماوات والأرض، فكل شيء تحت سمعه وبصره وعلمه، ولن يُترك أحدٌ بلا حساب..
أيها المظلوم، يا من تعرضت للإيذاء والظلم، والسخرية والاستهزاء والتنمر، لا تحزن ولا تأس، فإن الله يعلم ما وقع عليك قبل أن يقع، فلا تظن أنه غافل عنك أو عن ظلم الظالمين، بل هو سبحانه سيأخذ لك حقك ممن أساء إليك وظلمك، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}(إبراهيم:42)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ، حتَّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قالَ: ثُمَّ قَرَأَ {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}(هود:102)) رواه البخاري، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن الظلم وعقوق الوالدين من المعاصي التي يُعجل بعقوبتهما في الدنيا..
ويا من تؤذي وتظلم غيرك أيا كان هذا الإيذاء والظلم تذكر رقابة الله عليك، وتيقن أن الله أقدر عليك من قدرتك على من تؤذيه وتظلمه، عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: (كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِن خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ،أبا مسعود، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عليه ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هو رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، هو حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقالَ: أَما لو لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ) رواه مسلم. وهذه التذكرة من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي مسعود رضي الله عنه لنا جميعًا بأن الله قادر على معاقبتنا إذا ظلمنا وآذينا غيرنا، والظلم ليس بالضرب فقط..
وأنت أيها الشاب الذي بدأَت طريقك نحو الهداية والتوبة، وتمسكتَ بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسمعتَ أحداً يسخر منك، وآخر يهزأ بك، وثالثًا يقاطعك ويحذر منك، اثبت ولا تأس، فالله يعلم ويسمع ويرى ما يُقال لك، وسيجزي كل امرئ بما فعل: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}(غافر:19)..

وكما أن رقابة الله لا تغفل عن الظالمين، ولا يغيب عنها ظلم وألم المظلومين، وإيذاء المؤذين، فهي أيضًا تشمل كل من يختفي عن أعين الناس ويقع في المعاصي وينتهك الحرمات في الخفاء..
فيا أيها العاصي، تذكر رقابة الله عليك، ففي الوقت الذي تظن فيه أنك في معزل عن الأعين، الله عز وجل يراك ويعلم ما تخفيه..
يا مرتكب المعاصي مختفيًا عن أعين الخَلق: أين أنت من مراقبة ربك، ونظره إليه؟، فكيف تجترئ عليه وتجعله أهون الناظرين إليك؟ قال تعالى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْل}(النساء:108).
عباد الله: إذا علمنا وأيقنا أن رقابة الله عز وجل لا تغفل عن الظالمين، ولا يغيب عنها ما يقع من العاصين في الخفاء أو في العلن، فهل تذكرنا هذه الرقابة في حياتنا اليومية؟
إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل اتقيت الله يا عبد الله؟ هل تذكرته في كل أعمالك وأقوالك؟ أما والله، لو راقبنا الله حق المراقبة، لصلحت أحوالنا واستقامت أمورنا وسعدنا في الدنيا والآخرة، فاتقوا الله فيما تقولون، واتقوا الله فيما تفعلون، اتقوا الله في بيوتكم وأبنائكم، اتقوا الله في جوارحكم وألسنتكم، واتقوا الله في مطعمكم ومشربكم، فلا تدخلوا أجوافكم إلا حلالاً، فإنها تصبر على الجوع، لكنها لا تصبر على النار، واتقوا الله حيثما كنتم، قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ}(البقرة: 281).

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،

أما بعد، أيها المسلمون:

اعلموا أن الله تعالى رقيب عليكم، لا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض، وأنه لا ملجأ ولا مهرب منه إلا إليه، ومن حكمته سبحانه أن جعل شهودًا يشهدون عل ما قدمناه في حياتنا..
ومن هؤلاء الشهود: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا}(البقرة:143)، وقال سبحانه: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً}(النساء:41).
والملائكة -أيضًا- سيشهدون، قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}(الانفطار:10-12)، وقال سبحانه: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:17-18).
وكتابنا وسجلات أعمالنا ستشهد، قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدا}(الكهف:49)، وقال تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبا}(الإسراء:14).
وكذلك الأرض التي تسير عليها ستشهد بما عملت على ظهرها من خير أو شر، قال تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا}(الزلزلة:1-4).
والناس -أيضًا- سيشهدون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الملائكةُ شهداءُ اللهِ في السَّماءِ، وأنتُم شهداءُ اللهِ في الأرضِ) رواه النسائي. ويَخْتَصُّ بهذه الشهادة الثِّقاتِ والمتَّقينَ والصالحين من الناس.
بل ستشهد جوارحك، يدك، ورجلك، وسمعك، وبصرك وجلدك، سيشهدون عليك يوم القيامة، قال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(يس:65)، وقال تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(فصلت:19-22)..

فاتقوا الله يا عباد الله، واعلموا أن يوم الحساب قريب، ولا تغفلوا عن رقابة الله الذي لا تخفى عليها خافية في الأرض ولا في السماء، واجعلوا هؤلاء الشهود الذين سيشهدون يوم القيامة، اجعلوهم لكم لا عليكم، فكونوا من أهل الصلاة والصلاح والقيام بالواجبات، وبادروا بالتوبة النصوح من كل ذنب، وربكم سبحانه رحمته وسعت كل شيء ويغفر الذنوب جميعا، وسارعوا بالأعمال الصالحة قبل أن يأتيكم الأجل الذي لا مرد له، وقبل أن تجدوا أنفسكم في مواضع الندم والحسرات، حين لا ينفع الندم ولا التوبة..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56).
 

www.islamweb.net