صلة الرحم

20/01/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، المحمود في كل وقت وحين.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة وأدَّ الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَلْتَنْظُرْ ‌نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

أيها المسلمون: إن من أجلّ الطاعات وأوثق الروابط التي أمر بها ديننا الحنيف "صلة الأرحام"؛ فالأرحام هم قرابتنا ولحمتنا، وهم أولى الناس ببرنا وإحساننا .

إن الأرحام الذين تجب صلتهم هم: من كان بينهم وبين المكلف قرابة، وهم الأقارب من النسب لا من الرضاع من جهة الأب والأم. وتجبُ صلتهم حسب درجة القرابة، أما أقارب الزوجة فليسوا أرحاماً للزوج، وأقارب الزوج ليسوا أرحاماً للزوجة؛ إلا إذا كانت بينهم قرابة.

وقد أمرت الشريعة في الكتاب والسنة بصلة الرحم وحثت على ذلك، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} [الرعد: 21].

وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، ‌أفأصل ‌أمي؟ قال: (نعم، صلي أمك) متفق عليه.

وإن لصلة الأرحام فضلاً عظيماً وثمرات يانعة في الدنيا والآخرة، منها:
أنها سبب لزيادة العمر وسعة الرزق: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من سره ‌أن ‌يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه) متفق عليه.
فالبركة في العمر والسعة في العيش جزاءٌ عاجلٌ لمن وصل رحمه.

ومنها أنها دليل على كمال الإيمان: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ‌فليصل ‌رحمه) متفق عليه.
فقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم صلة الرحم بالإيمان بالله واليوم الآخر، وهذا يدل على مكانتها العالية.

ومنها أنها من أهم أسباب دخول الجنة: عن أبي هريرة، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنبئني بعمل إن عملت به دخلت الجنة، قال: (أفش السلام، وأطب الكلام وصل الأرحام وقم بالليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام) رواه أحمد.

وعلى النقيض من ذلك فإن لقطعية الرحم عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة:
أولها أنها سبب للحرمان من الجنة: عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ‌يدخل ‌الجنة ‌قاطع رحم) متفق عليه.
وهو وعيد شديد يُراد به الزجر، فمن استمر على قطيعته فقد عرّض نفسه للخطر العظيم.

كما أن الرحم متعلقة بالعرش تدعو على قاطعها: عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل ‌من ‌وصلك، وأقطع من قطعك قالت: بلى قال: فذاك لك) متفق عليه.

وهي من الذنوب التي تعجل عقوبتها لصاحبها في الدنيا قبل الآخرة فعن أبي بكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذنبان معجلان لا يؤخران: البغي، وقطيعة الرحم) رواه أحمد.

وقد كان العرب يفتخرون بصلة الرحم، يقول المقنع الكندي :

وإن الذي بيني وبين بني أبي *** وبين بني عمي لمختلفٌ جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم ***  وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم ***  وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

عباد الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرق الناس، وأعفهم، وأوصلهم، وأحلمهم؛ ولذلك ذكر الله خُلُقَه ومجد أنفاسه، وذكر مناقبه في القرآن، فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

بلغ عليه الصلاة والسلام في صلة الرحم مبلغاً عظيماً، ضرب به المثل على مرِّ التاريخ، فما سمعت الدنيا بأوصل منه صلى الله عليه وسلم، قام قرابته -أبناء عمه وأقاربه- فأخرجوه من مكة، وطاردوه وسبوه وآذوه، حاربوه في المعارك، وقاموا بحرب عسكرية وإعلامية واقتصادية ضده، فلما انتصر ماذا فعل؟

دخل مكة منتصراً، ووقف عند حلق باب الكعبة منحنياً، وهو يقول للقرابة وللعمومة: (ما ترون أني فاعل بكم؟ فيتصورون الجزاء المر والقتل الحار، فيقولون: أخ كريم وابن أخ كريم، فتدمع عيناه، ويقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء!).
تأتيه أخته من الرضاعة صلى الله عليه وسلم، وقد ابتعدت عنه ما يقارب أربعين سنة، تأتيه وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه، قد حالت بينهما السنون والأعوام، فتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره، فتأتي لتسلم على أخيها من الرضاع وهو تحت سدرة عليه الصلاة والسلام، والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم بين العرب، فتستأذن، فيقول لها الصحابة: من أنت؟ فتقول: أنا أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أنا الشيماء بنت الحارث أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية، فيخبرون الرسول عليه الصلاة والسلام فيتذكر القربى وصلة الرحم والوشيجة والعلاقة، التي أنزلها الله من السماء، ويقوم لها ليلقاها في الطريق، ويأتي بها ويجلسها مكانه، ويظللها من الشمس، ويترك الناس ويقبل عليها ويسألها، ويخيرها بين المقام عنده أو البقاء في أهلها؟ ثم يصلها بالمال والعطية، ليعلمِّ الأمة من بعده كيف تكون صلة الأرحام.

فيا عباد الله: هل من واصل لرحمه علَّ الله أن يرحمنا؛ عله أن يمطر بلادنا وأن يرحم عباده، وإن الله تعالى يقطع من قطع رحمه.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

لو سألنا أنفسنا سؤالاً كيف نصل أرحامنا؟
إن صلة الرحم ليست مجرد زيارات دائمة، بل لها صور متعددة تناسب ظروف الزمان والمكان؛ قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: "صلة الرحم هي الإحسان إلى الأقارب على حسب الواصل والموصول؛ فتارة تكون بالمال، وتارة تكون بالخدمة، وتارة تكون بالزيارة، والسلام، وغير ذلك".

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "وصلة الأقارب بما جرى به العرف واتّبعه الناس؛ لأنه لم يبيّن في الكتاب ولا السنة نوعها ولا جنسها ولا مقدارها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيده بشيء معين، بل أطلق؛ ولذلك يرجع فيها للعرف، فما جرى به العرف أنه صلة فهو الصلة، وما تعارف عليه الناس أنه قطيعة فهو قطيعة".

فمن صور صلة الرحم:
الزيارة: وهي الأصل، والأفضل أن تكون في الأوقات المناسبة.

الاتصال والسؤال: إن عجزت عن الزيارة، فالهاتف والرسائل متاحان للسؤال والاطمئنان.

المشاركة في الأفراح والأتراح، والوقوف بجانبهم في السراء والضراء.

مساعدة المحتاج منهم بالمال، أو الجهد أو الشفاعة الحسنة.

الهدية: تُقوّي الروابط، وتُذهب وحشة البُعد.

صلة القاطع: وأفضل صور الصلة هي صلة من قطعك، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس الواصِلُ بالمكافئِ، ولكن الواصلَ الَّذي إذا قُطِعتْ رحِمُه وصَلَها) رواه البخاري.

عباد الله: عودوا إلى أرحامكم، وصلوا ما بينكم وبينهم، وتجاوزوا عن الهفوات، واغفروا الزلات، وتذكروا أن الدنيا فانية وأن الأجر باقٍ.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

www.islamweb.net