
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
ثم أما بعد: أيها المسلمون:
الحياة تحت ظل الإسلام هي حياة الهداية والنور، حياة الطمأنينة والسرور، فمن عاش بالإسلام عاش على نور، ومات على نور، ولقِيَ الله بنور، قال تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ}(النور:35). إذا جاء يوم القيامة قُسمت الأنوار بين المؤمنين والمنافقين، فالمؤمنون يعبرون بنورهم الصراط، وأما المنافقون فسرعان ما تنطفئ أنوارهم فهم في ظلمات لا يبصرون، ينادون المؤمنين: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ}(الحديد:13)..إن الحياة في ظل الإسلام حياة مليئة بالدروس والمعاني التي تُسعد المسلم في الدنيا والآخرة، إذا تمسك بها وعمل بما فيها، فالأمر كما قال معاذ رضي الله عنه: "تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا".
وقد تقدم الحديث عن التوحيد، الذي هو أساس الإسلام ومفتاح الجنة، والإيمان بالقضاء والقدر بلسم الجراح والآلام، وأن الجزاء من جنس العمل، واليوم، نكمل حديثنا عن بعض هذه الدروس والمعاني، ومنها:
"احفظ الله يحفظك": مَن حفظ الله حفظه الله، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى العظيم في وصيته لعبد الله بن عباس رضي الله عنه، والتي هي وصية لجميع المسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فقال له: (يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ) رواه الترمذي، وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وسلم: (استحيوا من الله حق الحياء قلنا: يا رسول الله، إنا لنستحيي والحمد لله، قال صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى) رواه الترمذي.
ومعنى "احفظ الله": أي احفظ حدود الله بعدم تجاوزها، واحفظ أوامره بالامتثال والطاعة، واحفظ نواهيه بالاجتناب والبعد، وأن تتقي الله في كل شأن، فيراك حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك، ومن أعظم ما يجب حفظه الصلاة، فهي الركن الثاني من أركان الإسلام، فرضها الله في السماء السابعة زيادة في تشريفها، وهي أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، فمن حافظ عليها فقد أفلح، ومن ضيعها فقد خسر، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد عليها في سفره وحضره، وصحته ومرضه، وكانت من آخر وصاياه، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة".
كما يدخل في معنى "احفظ الله": حفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، فيشمل حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات، وحفظ البطن من أكل الحرام، فلا ينظر المسلم إلى حرام، ولا يستمع إلى حرام، ولا ينطق بحرام، ويجتنب كل ما هو خبيث في طعامه وشرابه، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}(الإسراء:36)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ وما بيْنَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ له الجَنَّةَ) رواه البخاري.
ومن حفظ الله في وقت الرخاء بطاعتِه وشُكره، والعمَلِ فيما أَولَاه مِن نِعمَتِه بما يُرضيه سبحانه، حفظه الله في وقت الشدة، وجعل له فرجا ومخرجا، قال صلى الله عليه وسلم: (تعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يعرِفْك في الشِّدَّةِ) رواه الترمذي.
وأما حفظ الله لعبده فنوعان: حفظه في مصالح دنياه وفي أهله وأولاده ، قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ}(الرعد:11)، فمن حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في كبره وضعفه، وأدام عليه نعمة السمع والبصر والعقل. والنوع الثاني: حِفظ الله له في دينه، فيحفظه من الشبهات المضلّة والشهوات المحرمة، ويثبّته على الإيمان حتى يتوفاه على أحسن خاتمة، ويرزقه السعادة والطمأنينة في الدنيا، والنجاة والفوز في الآخرة..
ومن هذه الدروس والمعاني التي نعيشها تحت ظل الإسلام وبالإسلام:
سهام الليل لا تخطئ، نعم، الدعاء سلاح لا يخطئ، الدعاء من أعظم مفاتيح الفَرَج، يُدفَع به البلاء، وتتحقق به الرغبات، وسلاحٌ في الشدة والرخاء، وسَهْمٌ لا يُخطئ هدفه، وما قُرعت أبواب السماء بمثله، ويحبه الله، وقد أمرنا الله به ووعدنا بإجابته، فقال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(غافر:60)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلِمٍ يَدعو، ليسَ بإثمٍ و لا بِقطيعةِ رَحِمٍ، إلَّا أَعطَاه إِحدَى ثلاثٍ: إمَّا أن يُعَجِّلَ لهُ دَعوَتَهُ، و إمَّا أن يَدَّخِرَها لهُ في الآخرةِ، و إمَّا أن يَدْفَعَ عنهُ من السُّوءِ مِثْلَها، قالوا: إذًا نُكثِرَ، قالَ : اللهُ أَكثَرُ) رواه أحمد.
فارفع يديك إلى الله بخشوع، وابدأ بحمده سبحانه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وألح على الله، ولا تستعجل، وإذا صادف دعاؤك وقتاً مِن أوقات الإجابة: كالثلث الأخير من الليل، فهو سهم لا يخطئ..
واعلم أن استجابة الله لدعائك ليس مرتبطاً بخلوك من الذنوب، ولو كان الأمر كذلك لما استجاب الله دعاء أحد، فلا تتركه بسبب ذنوبك، مع تحليك بآداب الدعاء، وتجنبك لموانع الاستجابة، مثل الإصرار على المعاصي وأكل الحرام.. قال سفيان بن عيينة: "لا تتركوا الدعاء، ولا يمنعكم منه ما تعلمون من أنفسكم، فقد استجاب الله تعالى لإبليس وهو شر الخَلق". فالدعاء مؤثر ونافذ، ولكن له وقته المحدد من الله، فإذا ادلهمت الخطوب، وضاقت عليك الأرض، وعزَّ الصديق، وقلَّ الناصر، واستكبر الباطل أهله، ونطق الرويبضة، فارفع يديك إلى من يقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(غافر:60)
قال الإمام الشافعي:
سِهامُ اللَّيلِ لا تُخْطِئُ وَلَكِن لَهَا أَمَدٌ وَلِلْأَمَدِ انقِضَاءُ
فَيُمْسِكُهَا إِذَا مَا شَاءَ رَبِّي وَيُرْسِلُهَا إِذَا نَفَذَ الْقَضَاءُ.
ومن هذه الدروس والمعاني كذلك:
البناء صعب، والهدم سهل، فما يُبنى في مئات الأعوام من المدن والقصور والدور يمكن هدمه في لحظات، وما يُبنى من الأخلاق والقيم في سنوات يمكن هدمه في أيام وليال
أرى ألف بانٍ لا يقوموا لهادمٍ فكيف ببانٍ خلفه ألف هادم
وسائل تواصل كثيرة وخطيرة تهدم، وصحبة فاسدة تهدم، وبناة قلة إذا قيسوا بهؤلاء الهادمين، ولذا وجب عل كل منا أن يعرف دوره ومسئوليته في البناء والإصلاح، ولا شك أن من أهم أسباب الإصلاح للفرد والأسرة والمجتمع أن يستشعر كلُّ إنسانٍ مسؤوليته، ويؤدي واجبه كما أمره الله، فكلٌّ محاسبٌ على ما وُكِّل إليه من مسئولية وأمانة، فالرجل مسؤول عن بيته وأهله، والمرأة مسؤولة في بيت زوجها عن أولادها وتربيتهم، وكل صاحب وظيفةٍ أو منصبٍ مسؤولٌ عن أداء الأمانة والقيام بالحق فيها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته؛ فالإمام راعٍ ومسؤولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤولٌ عن رعيته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤولٌ عن رعيته، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته) رواه البخاري.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
علمنا الإسلام أن ننظر في أمور دنيانا إلى مَن هو أقل منا مالا ودنيا، فذلك جدير ألا نزدري نعمة الله علينا، فتمتلئ قلوبنا بالقناعة والرضا، وأن ننظر في أمور ديننا وآخرتنا إلى من هو أفضل منا، فنجتهد في طاعة الله وعبادته لعلنا نلحق به وبالصالحين، قال صلى الله عليه وسلم: (انْظُرُوا إلى مَن أسْفَلَ مِنكُمْ، ولا تَنْظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكُمْ، فَهو أجْدَرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ) روا ه البخاري.
ومن الدروسِ كذلك التي علَّمَنا إيّاها الإسلامُ لنسعدَ بها في دنيانا وأُخرانا: عدم اليأس والقنوط، فلا تيأس ولا تقنط، فاليأس والقنوط قاتل للرجال، وهازم للأبطال، وباب إلى الكفر والضلال، قال الله تعالى: {إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(يوسف:87)، وقال تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}(الحجر:56). فلا مكان لليأس والقنوط عند المؤمن.
عسى الكرب الذي أمسيتَ فيه يكون وراءه فرج قريب
إذا لاح عسر فارج يسرا فإنه قضى الله أن العسر يتبعه اليسر
ولن يغلب عسر يسرين.
وختاما، عباد الله: الدروس التي علمها وتركها لنا الإسلام لنسعد بها في الدنيا والآخرة كثيرة، وقد ذكرنا منها الاهتمام بالتوحيد علما وعملا، والإيمان بالقضاء والقدر بلسم للجراح والآلام، والجزاء من جنس العمل، فكما تدين تدان، واحفظ الله يحفظك، وسهام الليل لا تخطئ، والبناء صعب والهدم سهل فقم بمسئولياتك، وانظر في أمور دنياك إلى من هو أقل مك، وانظر في أمور آخرتك إلى من هو أفضل منك، ثم الحذر من اليأس والقنوط..
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56).