
يُعدّ النظر في منابع المعرفة ومصادر التوجيه الثقافي أحد أهمّ القضايا التي ينبغي أن تُثار اليوم بإلحاح؛ لأنّ الأمم لا تنهض إلا بقدر ما تمتلكه من تصوّرات صحيحة، ونظمٍ فكرية متماسكة، وموازين نقدية تعصمها من الانسياق وراء الأوهام والخرافات.
ولعلّ أبرز ما يعانيه الوعي الإسلامي المعاصر هو انجراره في كثير من مساراته خلف ثقافات رديئة، أو رؤى مشوشة، أو مفاهيم وافدة تُقدَّم في صورتها البراقة، بينما هي في حقيقتها فقاعاتٌ غثائية لا تمتّ إلى العلم بصلة، ولهذا كان من الواجب أن نفتّش في المسارب التي تتسلل منها تلك الثقافات، وأن نُخضعها لميزان اليقين الذي جاء به القرآن، ولمنهج التحقيق الذي قامت عليه السنّة، ولروح الاجتهاد التي نهض بها الفقه، ولصفاء العقيدة التي صاغت تاريخ هذه الأمة.
يقول الشيخ محمد الغزالي: " حقيقٌ بنا أن نبحثَ في مصادر المعرفة التي تُوجِّهُنا، وأن نتدبَّر فِعلَها في مشاعرنا وأفكارنا، فما أكثر الأوهام التي تُسيِّر الناس، وتجعلُهم يَنشَطون إلى سرابٍ خادع، أو يَرعَبون من خيالٍ مُختلق، إنَّنا أحوجُ الأُمم إلى غربلة الأحكام والعادات والموروثات التي تشيع بيننا، ومقاضاتها إلى اليقين من كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقد نهانا الله عن اتِّباع الظنون العائمة، أو احترام الخُرافات القائمة، وأفهمَنا أننا مسؤولون عن حواسِّنا حتى لا يفتنها عن الحقِّ خِداع، ولا يجرَّها إلى الباطل تقليد".
إنّ القرآن الكريم ينبّه بقوّة إلى خطورة الخضوع للظنون العائمة، أو الركون إلى العادات المتوارثة دون تمحيص، أو الأخذ بما ليس للإنسان به علم، فالآية الكريمة: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) تُنشئ في عقل المسلم قاعدة ذهبية مفادها أنّ كلّ اعتقاد، أو موقف، أو عادة لا تقوم على بيّنةٍ من العلم فهي مرفوضةٌ ابتداء.
وقد لخّص القرآن علاقةَ الناس بالأوهام حين وصف أهل الكتاب بقوله: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ)، ووصف المشركين بأنهم (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ)، وكأنّ النصوص تُعلن أنّ أخطر ما يهدّد الأمم ليس ضعف القوة المادية، بل انخداع الوعي وانسياقه وراء ما لا أصل له.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى غربلةٍ واسعة لكل ثقافةٍ تترسّخ في المجتمع، ومقاضاتها إلى اليقين من دين الله قبل السماح لها بالتسرب إلى الوجدان الجمعي.
غير أنّ المفارقة المؤلمة تكمن في أنّ المسلمين اليوم – على اختلاف طبقاتهم – لم يعودوا يتعاملون مع القرآن باعتباره مصدراً للتكوين الفكري والروحي، بقدر ما يقفون عند حدّ التلاوة التي تحوّلت إلى ممارسة شكلية، هذا الانفصال بين النص ووظيفته الحضارية أدّى إلى تعطيل جزء كبير من الشرائع التي أرادها القرآن منطلقاً للعمران، والإصلاح.
بل إنّ فئةً واسعةً من أبناء الأمة الذين صاغهم التعليم الاستعماري يرون أنّ الرجوع إلى التشريع القرآني ضربٌ من التخلّف، وكأنّهم لم يتبيّنوا بعد أنّ القرآن هو الذي صنع من ركام الصحراء أمةً، وازنت بين الإيمان والعقل، وأنقذت العالم من ترف الفلسفات الفارغة، وخرافات الأمم القديمة.
ومثلما تعطّلت علاقة الأمة بالقرآن، تعطّلت كذلك علاقتها بالسنة النبوية، التي لم تكن في يوم من الأيام مجرد أحداث تُروى أو قصص تُذكر، بل كانت منهجًا ربانيًا في النظر، والعمل وبناء الإنسان.
فقد امتلأت كتب الحديث والسيرة بنماذج عملية لإدارة الشأن العام، وتزكية النفس، وصناعة الأخلاق، وترتيب أولويات العمران، لكنّ كثيرًا من المسلمين اليوم يتعاملون مع السنّة بوصفها تراثًا ساكنًا، لا بوصفها مصدرًا مُلهِمًا لإعادة تشكيل الواقع.
والمفارقة أنّ السنّة تمتلك من زاد الحكمة، ودقّة التشريع، وعمق الخبرة الإنسانية ما يجعلها إطارًا معرفيًا متقدّمًا إذا ما تُلي على أهله، غير أنّ استثمار هذا المورد يحتاج إلى العين البصيرة التي تستخرج من النصوص مقاصدها، ومن الوقائع دلالاتها، ومن المواقف مبادئها.
أما الفقه الإسلامي، فهو الوعاء الذي صاغ عقل الأمة القانوني والأخلاقي عبر القرون، فقد أحاط الفقه بالحياة الإنسانية كلها، من شؤون الفرد الخاصة إلى شؤون الدولة الكبرى، وبنى منظومة مرنة استطاعت أن تتطور عبر الاجتهاد وتنامي خبرة العلماء، غير أنّ الفقه – بدلاً من أن يكون فضاءً رحبًا للعقل المسلم – تحوّل في بعض العصور إلى أسوار مذهبية ضيّقة، وانغلق باب الاجتهاد حين كان ينبغي أن يُفتح، ومع هذا الانغلاق، وتحت ضغط الحداثة الغربية، انصرف المسلمون عن تراثهم الفقهي إلى استيراد قوانين جاهزة من خارج بيئتهم الحضارية، وهو ما أضعف ثقة الأمة بقدرة شريعتها على مواكبة الحياة.
وإذا انتقلنا إلى العقيدة – وهي لبّ الإسلام وخلاصته – وجدنا أنّها هي الأخرى لم تسلم من آثار الثقافات الدخيلة، فقد دخل الفكر الأجنبي – الفلسفي منه والروحي – إلى حياة المسلمين تسللًا حتى غيّر بعض مفاهيم الإيمان، وشوّه صفاء التوحيد في نفوس العوام، ومع أنّ الجانب العقلي في العقيدة الإسلامية قويّ إلى حدّ يستطيع أن يُفحم كلّ فلسفةٍ أخرى، إلا أنّ ضعف التعليم، وترك العقيدة حبيسة الجدل الكلامي دون ربطها بروح الإيمان، أو بعلائق الحياة اليومية، أدّى إلى انحسار أثرها، وغدت دراسة العقيدة – في كثير من الأوساط – مجرد معلومات نظرية لا تُنشئ يقينًا، ولا تُكوّن رؤية، ولا تُحرّك إرادة.
إنّ العقيدة التي شيّدت حضارة الإسلام لم تكن خطابًا أكاديميًا، بل كانت نورًا يحرّك الواقع ويصنع الإنسان.
في ضوء هذا كلّه، يمكن القول إنّ أخطر ما تصنعه الثقافات الرديئة ليس أنها تُقدّم مفاهيم خاطئة فحسب، بل لأنها تُغيّر أولويات الأمم، وتجعلهـا تركض وراء أوهام، وتُهمِل مصادر قوتها الأصيلة، ومعركة الوعي اليوم ليست معركةَ جدلٍ فكري، بقدر ما هي معركةُ إعادة التأسيس: إعادة وصل الناس بالقرآن ليكون منهجًا في التفكير، وبالسنّة لتكون دليلاً في السلوك، وبالفقه ليكون اجتهادًا حيًا، وبالعقيدة لتكون طاقةً محركة لا محفوظاتٍ جامدة.
إنّ الأمة التي تريد أن تستأنف حضارتها لا بدّ أن تُعيد النظر جذريًا في ثقافاتها السائدة، وأن تُخضعها لمراجعة عميقة، تُميّز فيها بين ما هو من نور الوحي وما هو من غبار الأعراف الوافدة، فالأمم لا تنهض بالكمّ الثقافي، بل بنوع المعرفة ومنهج النظر، وبقدرتها على اكتشاف الحقيقة من بين ركام الأباطيل، وحين تتصالح الأمة مع يقينها الأصيل، وتستردّ مصادر هويتها الكبرى، عندها فقط تستطيع أن تتجاوز ضجيج الثقافات الرديئة، وتبني وعيًا قادرًا على صناعة مستقبلها، متزنًا يحقق الإيمان ويرضي العقول والفطر السليمة، ويُكَوِّن جيلاً جديدا متأصل الجذور، ومنفتحًا على العصر في آن واحد.