ثمرات الإيمان بالملائكة

20/01/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً ترفع صاحبها في الدنيا والآخرة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد المرسلين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. اتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡس وَٰحِدَة وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالا كَثِيرا وَنِسَآءً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلًا سَدِيدًا 70 يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد؛
أيها المؤمنون: الله تعالى ابتلى عباده بما غاب عن أبصارهم؛ ليظهر صدقُ الإيمان من دعوى اللسان، وليتميز أهل اليقين من أهل الشك والارتياب. ومن أعظم أبواب الغيب التي يقوم عليها الدين: الإيمانُ بالملائكة؛ ذلك العالم الكريم الذي ذكره الله في القرآن كثيرًا، وأثنى على أهله، وربط الإيمان به بالإيمان بالله والرسل والكتب واليوم الآخر. فالإيمان بالملائكة ركنٌ من أركان الإيمان، لا يستقيم إيمان عبدٍ ولا يقبل له عملٌ إلا بتحقيقه؛ قال الله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285]. وقال سبحانه: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ} [البقرة: 177]. وفي حديث جبريل المشهور لما سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) رواه مسلم. بل إن الله تعالى جعل الكفر بالملائكة ضلالًا بعيدًا فقال: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136].
أيها المسلمون: قد يظن بعض الناس أن الحديث عن الملائكة حديثٌ وعظي فقط، أو معلومات مجردة تُذكر في الدروس والخطب… وليس الأمر كذلك! فالإيمان بالملائكة يقينٌ يثمر سلوكًا، ويورث رقابةً، ويغرس حياءً، ويوقظ قلبًا؛ ولهذا كان حديثُ القرآن والسنة عن الملائكة كثيرًا؛ ليؤتي الإيمانُ بهم ثماره العظيمة العاجلة والآجلة. واليوم حديثنا ليس عن تعداد الأسماء ولا مجرد ذكر الوظائف، وإنما عن ثمرة هذا الركن، عن ماذا يصنع الإيمان بالملائكة في قلب المسلم وحياته، ما الذي يتغير في داخل الإنسان حين يعلم أن حوله ملائكة كرامًا، يكتبون، ويحفظون، ويشهدون، ويستغفرون، ويؤمّنون على الدعاء، ويحفون مجالس الذكر؟ نتحدث في هذه الخطبة عن ثمرات الإيمان بالملائكة، وكيف تصنع هذه العقيدة حياةً جديدة في قلب المؤمن.
أيها المسلمون: إن الإيمان بالملائكة باب من أبواب الإيمان بالغيب ومن أعظم ثمرات هذا الإيمان: أنه يدخل العبد في حقيقة الإيمان بالغيب؛ والغيب هو أساس الدين، وبه يتميز المؤمن من غيره؛ قال تعالى في أول صفة من صفات المؤمنين: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3]. فالمؤمن يصدق بملائكة لا يراهم، ويؤمن بعالم لم تبلغه حواسه لا لأنه رأى، بل لأنه صدّق الله ورسوله، وهذا يورث القلب تعظيم الخبر الشرعي، ويعلّم العبد التسليم للوحي، ويقويه في زمن كثرت فيه المادية، وصار كثير من الناس لا يصدق إلا ما وقع تحت يده أو عينه. والمؤمن أوسع أفقًا: يعيش في الدنيا وهو يعلم أن وراءها عالمًا أعظم، وأن ما عند الله أكبر وأبقى.
من أعظم ثمرات الإيمان بالملائكة: الثقة بسند الرسالة التي نؤمن بها رسالة الإسلام، فإن الله لم يترك أعظم خبرٍ للخلق -خبر الوحي- بلا وساطة أمينة؛ بل اختار من ملائكته سفراء بينه وبين رسله، كما قال تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ} [الشعراء: 193-194]. وقال سبحانه: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ} [النحل: 102]. فحين يؤمن المسلم بالملائكة، يعلم أن هذا الدين جاء بوحيٍ نقله روحٌ أمين، وبلّغه رسولٌ كريم، وحفظه الله حتى وصل إلينا صافيا، وهذه الثقة ليست قضية علمية فقط، بل هي يقين يثبت القلب عند الشبهات، ويقوي المرء حين تكثر الدعاوى والافتراءات، ويمنحه اطمئنانًا: أن هذا القرآن حق، وأن هذا الدين محفوظ، وأن مصدره السماء.
أيها المؤمنون: من أجمل ما يثمره الإيمان بالملائكة: أن المسلم يعرف علاقته بالملائكة وقربهم منه، ويدرك أنهم ليسوا قصة بعيدة، ولا عالمًا منعزلًا؛ بل الملائكة معنا في أحوال كثيرة؛ يحفظون، ويكتبون، ويشهدون، ويستغفرون للمؤمنين، ويحفون مجالس الذكر. ألم يقل ربنا جل وعلا: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]؟ وقال سبحانه: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10-12]. فإذا آمن العبد بذلك حقًا، انقلبت الخلوة عنده إلى عبادة؛ وصار يقول: كيف أطلق لساني بالباطل وأنا أعلم أن الكلمة تُكتب؟ وكيف أطلق عيني في الحرام وأنا أعلم أن الملائكة تشهد؟ وكيف أستخف بمعصية وأنا أعلم أنها لن تضيع؛ بل تُسطر في صحيفة ستُعرض يوم القيامة؟ ولذلك كان من أعظم ثمرات الإيمان بالملائكة: ملازمة الاستقامة والحذر من مقارفة المعاصي، فإذا همّ العبد بذنبٍ تذكّر أن عليه كاتبًا لا يغفل، وأنه سيقف يومًا بين يدي الله تعالى، وهذه الصحائف مفتوحة. وإن من جميل ما يرسخ هذا المعنى: ما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عثمان رضي الله عنه: (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة) رواه مسلم. انظروا إلى منزلة الحياء والطهارة والسمت؛ الملائكة وهم عبادٌ مكرمون يستحيون من رجلٍ لفرط أدبه ووقاره ونقاء سريرته، فإذا كان الحياء يرفع صاحبه إلى أن تستحي منه الملائكة، فكيف بالمجاهرة بالمعصية، والجرأة على المحرمات، ونشر الفواحش؟!
عباد الله: من ثمرات الإيمان بالملائكة أن المؤمن يحسن معاملة الملائكة، ويوقرهم، ويجتنب ما يؤذيهم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) رواه مسلم. ونهى صلى الله عليه وسلم مَن أكل الثوم أو البصل ثم جاء المسجد؛ لأن الرائحة تؤذي الناس وتؤذي الملائكة، وكذا كل رائحة كريهة تؤذي بني آدم فإنها تؤذي الملائكة أيضًا. وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة) متفق عليه. وهذا يربي المؤمن على النظافة والطهارة، واحترام بيوت الله، وإجلال الصلاة، وتطهير البيت من أسباب النفرة والحرمان، فمن عرف أن الملائكة تحضر مجالس الذكر، أحبّ أن يكون مجلسه طيبًا؛ وأن يكون بيته طاهرًا؛ وأن يكون لسانه عفيفًا. ومن أعظم الفوائد العملية للإيمان بالملائكة: المبادرة إلى المواطن التي تحضرها الملائكة وتدعو لأهلها. صحَّ الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. وهذه ليست كلمات للترغيب فحسب؛ بل هي وصف لحقيقة: مجلس ذكرٍ في مسجد أو غيره، ينزل عليه من السماء ما لا يراه الناس، ولكن أثره يظهر: سكينة، وطمأنينة، وانشراح، ومن هنا يجب أن يحرص المؤمن على: صلاة الجماعة، ومجالس العلم، وقراءة القرآن، والذكر والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء لأخيه بظهر الغيب وغيرها من الصالحات؛ لأنه يعلم أن الملائكة تحضر وتؤمّن وتستغفر وتدعو.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، 
عباد الله: اعلموا أن من أعظم ما يثبت ثمرات الإيمان بالملائكة في حياتنا أن نأخذ بأسباب قربهم منا، وأن نحرص على المواطن التي يحبونها، ونجتنب ما يكرهون؛ فمن ثمرات الإيمان بالملائكة: أن يجتنب المؤمن ما يسبب بُعد الملائكة عنه أو عن بيته أو مجلسه، كأسباب النفرة التي صحّت بها الأحاديث كالروائح الكريهة والنجاسات والتصاوير ونحوها، وليس المقصود بذلك أن يعيش المرء في وسوسة، بل المقصود أن يعيش في طهارةٍ ووقارٍ، وأن يحفظ بيته مما يجلب الحرمان، وهنا يتعلم المؤمن أن المعصية لا تترك أثرها على قلبه فقط؛ بل تترك أثرها على بيته وأهله وطمأنينته؛ لأن بيتًا تحضره الملائكة ليس كبيت تُبعد عنه الملائكة.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

www.islamweb.net