يوم الجمعة

07/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، من هداه فهو السعيد، ومن أضله فهو الطريد البعيد، أحمده سبحانه وأشكره، والشكر من أسباب المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العرش المجيد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله، أشرف من أظلت السماء، وأكرم من أقلت البيد، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، أهل التوفيق والتسديد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الوعيد.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]

أما بعد:

عباد الله: إن أمة الإسلام امتن الله عليها بخصائص، وخصها بفضائل لم تكن للأمم قبلها ببركة هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ومن هذه الخصائص يوم ارتفع بين الأيام قدره، وعلا في الإسلام ذكره، إنه عنوان الملة، وعيد أهل الإسلام، هدى الله له أمة الإسلام، وأضل عنه الأمم الأخرى، فحقٌ على الأمة أن تعرف قدره، وتحفظ منزلته، إنه يوم بدء الخليقة، ويوم منتهى الدنيا، إنه يوم الجمعة، يشرق على المسلمين ليؤلف بينهم بالمودة، ويربطهم برباط الجماعة، ويظهر فيهم الوحدة والعزة.

ثبت في الصحيحين عن ‌أبي هريرة رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (‌نحن ‌الآخرون ‌السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع؛ اليهود غدا، والنصارى بعد غد).

وفي المسند والسنن من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (‌من ‌أفضل ‌أيامكم ‌يوم ‌الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي) رواه أحمد.

عباد الله: من خصائص يوم الجمعة هذا المشهد العظيم، وهذا التجمع الكبير في صلاة الجمعة، صلاة أسبوعية جامعة يجتمع فيها المسلمون في مساجدهم الكبار ليشهدوا الخير والذكر، صلاة يسعى فيها المسلمون إلى ذكر الله، ويذرون البيع واللهو والتجارة، يتحللون من شؤون المعاش، ويوثقون صلتهم بربهم، في صفة خاصة بها، وهيئة خاصة لخطبتيها وركعتيها؛ فهو أعظم مجامع المسلمين بعد يوم عرفة.

ومن فضائل يوم الجمعة: تكفير الذنوب عن ‌أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (‌الصلوات ‌الخمس، ‌والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر) رواه مسلم.

ومن الفضائل: هذا الحديث العظيم بشروطه المذكورة، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌من ‌غسل ‌واغتسل، ‌وبكر، وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا وأنصت، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها) رواه أبو داود.

ولقد كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيم هذا اليوم، وتشريفه، وتخصيصه بعباداتٍ يختص بها عن غيره، فله في الدين أحكامٌ مقررة، وآدابٌ محفوظة مرعية.

فمما يشرع فيه ويستحب:

قراءة سورة الكهف: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة، أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه الحاكم.

ومن المستحبات: كثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: في يوم الجمعة وليلته كما في الحديث الصحيح: (فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ) رواه النسائي.

قال ابن القيم: "رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام، فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة، فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته به بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم، فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأداء القليل من حقه صلى الله عليه وسلم أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته".

ومن المستحبات: الاغتسال والتطيب والاستياك ولبس أحسن الثياب: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة، واستاك، ومس من طيب إن كان عنده، ‌ولبس ‌من ‌أحسن ‌ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، فلم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء أن يركع، ثم أنصت إذا خرج الإمام، فلم يتكلم حتى يفرغ من صلاته، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها) رواه أحمد.

ومن المستحبات: التبكير بالحضور إلى صلاة الجمعة: ومن لطائف الأسرار في هذا المقام ما نبه إليه بعض أهل العلم حيث قال: "لما كان يوم الجمعة في الأسبوع كالعيد في العام، وكان العيد مشتملاً على صلاة وقربان، وكان يوم الجمعة يوم صلاة، جعل الله سبحانه التبكير فيه إلى المسجد والمسارعة بدلاً من القربان، كما في الخبر الصحيح: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من راح في الساعة الأولى فكأنّما قرّب بَدَنَة ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنّما قرّب بقرة ، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنّما قرّب كبشاً أقرن ، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنّما قرب دجاجة ، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضة ، فإذا صعد الإمام المنبر حضرت الملائكة يستمعون الذكر) متفق عليه.

ومما ينبغي التنبه له: حسن الاستماع إلى الخطبة، وعدم الوقوع في اللغو المفسد للجمعة: فخطبة الجمعة عظة الواعظ، وتطهير للنفوس، وترقيقٌ للقلوب، وشفاء للصدور، وتذكيرٌ بالله، وترغيبٌ في ثوابه، وترهيبٌ من عقابه، وما أنفع الكلم الطيب حين تحيا به القلوب.

ومن أحب الخير لنفسه فليتقرب إلى الله وليبادر وليجتنب التشاغل بالشواغل، عن ‌أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌ومن ‌مس ‌الحصى ‌فقد ‌لغا) رواه مسلم، وفي الحديث الآخر: (ومن لغا فلا جمعةٍ له) رواه أحمد.

وينبغي الحذر من تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، عن عبد الله بن بسر قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال: (اجلس فقد آذيت، وآنيت) ؛ أي: آذيت بالتخطي، وآنيت: تأخرت عن المبادرة والتبكير.

وعليكم عباد الله: بالحذر الأكيد من الذنب الكبير في ترك صلاة الجمعة: عن أبي الجعد الضمري، وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌من ‌ترك ‌ثلاث ‌جمع ‌تهاونا من غير عذر طبع الله على قلبه) رواه أحمد، وعن ‌عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لينتهين أقوام ‌عن ‌ودعهم ‌الجمعات. أو ليختمن الله على قلوبهم. ثم ليكونن من الغافلين) رواه مسلم.

ومما ينبغي التبيه عليه الحذر من التكاسل عن الحضور للمسجد حتى تقام الصلاة: فهناك فئة يأتون إلى المساجد في فتورٍ وملل، ينتظر الواحد منهم إقامة الصلاة؛ ليأتي مسرعاً ثائر النَفْسِ والنَفَس، يدخل إلى الصلاة مشوش الفكر، لم يراعِ أدب الإسلام في دخول بيوت الله، ولم يعمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التزام السكينة والوقار، فاته أجر التبكير إلى الصلاة، أما علم أن منتظر الصلاة كالمرابط في سبيل الله، والملائكة تستغفر له ما دام في مصلاه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، أحمده سبحانه وأشكره، إذا أطيع شكر، وإذا عصي تاب وغفر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، أمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وحجته على الخلائق أجمعين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اتقوا الله عباد الله: تفلحوا في الدنيا والآخرة.

أما بعد:

معاشر المؤمنين: هذا هو يوم الجمعة بفضله ومنزلته، وذكره وخصائصه، وبعد الانتهاء من حضور صلاة الجمعة يخرج المسلمون إلى حوائجهم؛ لكنهم لا ينقطعون عن الصلة بربهم، ولا يغفلون عن ذكره: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]. عملٌ وكد، ونشاطٌ وكسب، وذكرٌ وشكر، لا انفصام بين ذلك ولا انفصال.

كان عراق بن مالك رضي الله عنه إذا صلى الجمعة انصرف فوقف بباب المسجد ثم قال: "اللهم إني أجبت دعوتك، وصليت فريضتك، وانتشرت كما أمرتني فارزقني من فضلك فأنت خير الرازقين".

عباد الله: لا تنسوا أن في يوم الجمعة ساعة مباركة يستجاب فيها الدعاء؛ عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن ‌في ‌الجمعة ‌ساعة ‌لا ‌يوافقها ‌عبد مسلم يسأل الله فيها شيئا، إلا أعطاه إياه) رواه أحمد. وقد اختلف العلماء في تحديدها، وأرجى أوقاتها ساعتكم هذه، وما بين العصر إلى غروب الشمس.

أيها المسلمون: ألا فاتقوا الله -رحمكم الله- واجتهدوا في الخير تصيبوه بإذن الله، وتحروا الفضل تبلغوه إن شاء الله، ثم صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].


 

www.islamweb.net