عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم

07/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وهدايةً للثقلين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. اتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم صائرون إليه، مجزيون بأعمالكم صغيرها وكبيرها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70–71].
أما بعد،
عباد الله: إن من أعظم ما امتنّ الله به على البشرية أن بعث لها نبيًا ليس لقوم دون قوم، ولا لزمان دون زمان، بل بعثه الله تعالى إلى الناس كافة وأمره أن يصدح بقوله تعالى: {قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} [الأعراف: 158]. وقد كانت سنّة الله تعالى في الأنبياء من قبل أن يُبعث كلُّ نبيّ إلى قومه خاصة، كما قال الله تعالى عن نبيه هود: {وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [الأعراف: 65]. وقال سبحانه عن نبيه صالح: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ} [هود: 61]. أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد خُصّ بخصوصية عظيمة، فكانت رسالته عامة، وبعثته شاملة، ودعوته خالدة إلى قيام الساعة. قال الله جل وعلا: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]. فلم يقل: يا أيها العرب، ولا يا قريش أو يا بني هاشم؛ بل قال: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم، ثم أكّد العموم بقوله: جميعًا، فلا يخرج عن رسالته إنس ولا جن، ولا عربي ولا أعجمي، ولا أهل كتاب ولا غيرهم.
أيها المسلمون: إن عموم رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم وعلوّ مقامها قد بلغ حدًّا عظيمًا؛ إذ أخذ الله العهد والميثاق على جميع الأنبياء، أنه لو بُعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم أحياء لوجب عليهم اتباعه ونصرته، قال الله تعالى: {وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ} [آل عمران: 81]. وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: حين أتاه عمر فقال: (إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: "أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي) رواه أحمد. فإذا كانت هذه الرسالة واجبة الاتباع حتى على الأنبياء لو أدركوا نبيّنا صلى الله عليه وسلم؛ فكيف يظن ظان أنها رسالة خاصة بقوم كالعرب أو أرض كأرض العرب؟
عباد الله: عموم رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم حقيقة شهد بها القرآن الكريم، ووقعت أحداثها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد بعثه الله إلى الجن كما بعثه إلى الإنس، والتقى بهم غير مرة في مكة والمدينة، وفي بعض أسفاره أيضًا، وقرأ عليهم القرآن، وآمنوا به ودعوا قومهم إليه. ومن دلائل ذلك قوله سبحانه: {وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ * يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ * وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ *} [الأحقاف: 29-32].
أيها المؤمنون: لم يقف عموم هذه الدعوة الكريمة عند حدود الجزيرة العربية، بل خرجت إلى آفاق العالم كله، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم رسله بكتبه إلى ملوك الأرض، إلى كسرى في فارس، وقيصر في الشام، والنجاشي في الحبشة، والمقوقس في مصر، وإلى وغيرهم من الملوك، يدعوهم إلى الإسلام امتثالًا لأمر ربه، وتصديقًا لقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]. فلو كانت رسالته خاصة بالعرب، لما كتب إلى ملوك العجم، ولا دعا أمم الأرض إلى الإيمان به وبرسالته.
أيها المسلمون: لما كانت رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم عامة شاملة خالدة؛ اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون دينه كاملاً غير محتاج إلى زيادة، فأنزل الله في أعظم مشهد يوم عرفة، قوله سبحانه: {ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ} [المائدة: 3]. فأكمل الله لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وختم النبوة، فلا نبي بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا وحي بعد وحيه سبحانه وتعالى. وقد روى ابن ماجه عن العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: " قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما قيد انقاد).
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، واعلموا أن النجاة كلَّ النجاة في اتباعه، والهلاك كلَّ الهلاك في الإعراض عنه أو الابتداع في دينه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واتبع سنته إلى يوم الدين.
أما بعد؛
عباد الله: إذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم قد بُعث إلى الجن والإنس، وإلى العرب والعجم، وإلى القريب والبعيد، فإن الواجب على الأمة من بعده أن تعي عظمة هذه الرسالة، وأن تدرك أن عمومها ليس شرفًا يُتغنّى به فحسب، بل تكليف ومسؤولية، فليس أحدٌ بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خارجًا عن خطاب الله، ولا معذورًا بالإعراض، ولا متروكًا بلا بيان؛ فمن بلغه القرآن، وسمع باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد خوطب بالتكليف، وقامت عليه الحجة، وانقطعت عنه المعاذير، ولهذا لم يجعل الله هذه الرسالة محصورة في قوم، ولا مربوطة بأرض، ولا مؤقتة بزمن، بل جعلها عامة شاملة، ليعلم الناس أن الطريق إلى الله واحد، وأن الهداية واحدة، وأن النجاة لا تكون إلا باتباع هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
ولقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته والعالمين تحذيرًا بليغًا، فقال: (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به، إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم. فهذا الحديث عباد الله يقطع العذر، ويبين أن مجرد السماع الوافي بالرسالة يقيم الحجة بها، ويوجب الانقياد لها، وأن الإعراض بعد البلاغ الوافي ليس جهلًا بل تفريط، وليس حيادًا بل اختيار له عاقبته. فطوبى لمن آمن وصدق واتبع، وويلٌ لمن سمع فأعرض، أو علم فاستكبر، أو بلغه الحق فآثر عليه غيره. 
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

www.islamweb.net