أهمية الاستعداد للرحيل

14/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي كتب على عباده الرحيل، وجعل الدنيا دار ممرٍّ والآخرة دار مقرّ، وأمر بالتزوّد ليوم المعاد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إليه المصير، وعنده الحساب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وذكّرها بقِصَر الأمل ودنوّ الأجل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد، أيها المسلمون: الرحيل عن هذه الدنيا آتٍ لا محالة، والموت حقٌّ لا يُخطئ أحدًا من الخلق، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران: 185]، فهذه سنة الله التي لا تتبدل، يمضي عليها الأولون والآخرون. فالناس في هذه الدنيا بين مستقبلٍ ومودِّع، وبين مقبلٍ على الحياة ومغادرٍ لها، وكلُّ واحدٍ منا مسافرٌ في طريقٍ لا يدري متى يبلغ نهايته، ولا متى يؤذن له بالرحيل. وكم من إنسانٍ خرج من بيته وهو يظن أنه سيعود، فإذا به يُحمل إلى قبره، وكم من صحيحٍ بات بين أهله وأصبح في عداد الأموات، ولذلك قال الله تعالى مذكّرًا بهذه الحقيقة: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 78]. فالعاقل من تذكّر هذه الحقيقة قبل أن يفاجأ بها، واستعدّ للرحيل قبل أن يُنادى عليه، وتزوّد من الطاعات قبل أن يُحال بينه وبين العمل.
أيها المسلمون: إن الاستعداد لهذا الرحيل ليس بكثرة المال، ولا بتشييد القصور والبنيان، ولا بجمع متاع الدنيا الزائل، وإنما يكون بإصلاح الإيمان، وإحسان العمل، وردّ المظالم إلى أهلها، والتوبة الصادقة من الذنوب قبل أن يُغلق باب التوبة. قال تعالى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197]، فالتقوى هي زاد المسافر إلى الله تعالى، والعمل الصالح هو رفيقه في قبره، والصدق مع الله أنيسه في وحشة القبر، يوم يترك الإنسان أهله وماله، ولا يبقى معه إلا عمله. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة فقال: (يتبع الميتَ ثلاثةٌ: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله) رواه البخاري. فالسعيد من عمّر صحيفته بالطاعات قبل أن تُطوى، وملأ أيامه بالأعمال الصالحة قبل أن يُحال بينه وبينها.
أيها المؤمنون: لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى قِصَر الأمل في الدنيا، حتى لا يغترّ الإنسان بزخرفها وزينتها، فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري. فالغريب لا يتخذ من الأرض التي نزلها وطنًا دائمًا، ولا يركن إلى متاعها، وعابر السبيل لا يشغل نفسه بما يزول، وإنما همه أن يبلغ المقصد، وكذلك المؤمن الصادق، يعيش في الدنيا بقلبٍ متعلّقٍ بالآخرة، يرجو لقاء الله تعالى، ويخاف من التقصير، ويعلم أن الدنيا مرحلة عابرة، وأن الدار الباقية هي دار القرار، ولذلك قال الله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].
عباد الله: إن من أعظم صور الاستعداد للرحيل محاسبة النفس قبل أن تُحاسَب، ومراجعة العمل قبل أن يُعرض على الله تعالى، فإن الموت قد يأتي بغتة، ولا يستأذن أحدًا، وربما جاء الإنسان وهو في أوج صحته وقوته؛ ولهذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم باغتنام الفرص قبل فواتها فقال: (اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك) رواه الحاكم. فهذه وصية نبوية جامعة تذكّر العبد بأن أيامه هي رأس ماله الحقيقي، وأن السعيد من اغتنم زمنه في طاعة الله تعالى، وأعدّ لآخرته قبل أن يأتيه يومٌ لا ينفع فيه الندم، يوم يقال للعبد: قد انقضى الأجل، وانقطع العمل، وبقي الحساب والجزاء.
أيها المسلمون: إن من الاستعداد للرحيل إصلاح ما بين العبد وربه، وذلك بالمحافظة على الصلاة، وأداء الزكاة، وصيام الفرض، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وحفظ اللسان، فإن هذه الأعمال هي التي تسبق العبد إلى قبره، وتكون له نورًا يوم القيامة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله) رواه البخاري، فاعملوا لما يبقى، ولا تنشغلوا بما يفنى. وإن من أعظم ما يُعين على الاستعداد للرحيل الإكثار من ذكر الموت، فإنه يقطع الغفلة، ويكسر الشهوة، ويوقظ القلب من سباته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) رواه الترمذي. فمن تذكّر الموت لم يطغَ، ولم يركن إلى المعصية، بل بادر إلى التوبة، وأصلح ما بينه وبين الله تعالى.
عباد الله: إن الاستعداد للرحيل يقتضي ردّ الحقوق إلى أهلها، والتوبة من الظلم، فإن حقوق العباد خطيرة، تؤخذ من الحسنات يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: (إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار) رواه مسلم. فالمفلس من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد ظلم هذا وأخذ مال هذا، فتؤخذ حسناته حتى تفنى. فطوبى لمن لقي الله تعالى خفيفًا من المظالم.
أيها المسلمون: ومن أعظم ما يعين العبد على الاستعداد للرحيل حسنُ الظن بالله تعالى عند حضور الموت، فإن المؤمن لا يلقى ربَّه بقلبٍ قانطٍ أو نفسٍ يائسة، بل يلقاه بقلبٍ مفعمٍ بالرجاء في رحمته والطمع في عفوه وكرمه. فقد قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي) رواه البخاري ومسلم. ولهذا كان المؤمن في حياته يجمع بين الخوف والرجاء؛ يخاف ذنوبه وتقصيره، ويرجو رحمة ربه ومغفرته، فإذا حضره الموت غلّب جانب الرجاء، وأحسن الظن بربه، طامعًا في عفوه وفضله، مستبشرًا بلقاء الله تعالى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) رواه مسلم.
والرحيل عن هذه الدنيا قد يكون قريبًا، ولا يدري أحدٌ متى يُكتب اسمه في سجل الراحلين، فقد يمسي الإنسان بين أهله ويصبح وقد انتقل إلى دار الآخرة، وقد يعيش سنواتٍ وهو يظن أن الأجل بعيد، فإذا به يفاجأ بلقاء الله. قال تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34]. فالعاقل من استعدّ لهذا اليوم قبل أن يفاجأ به، وجدد توبته قبل أن يُحال بينه وبينها، وأصلح سريرته قبل أن تُكشف يوم القيامة. 
فلنكثر عباد الله من التوبة والاستغفار، ولنرجع إلى الله رجوع الصادقين، فإن الله تعالى وعد بقبول التوبة مهما عظمت الذنوب، فقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25]، وقال جل شأنه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53]. فما دام في العمر بقية فباب الرجاء مفتوح، وما دام القلب ينبض ففرصة التوبة قائمة، والسعيد من بادر إلى الله قبل أن يُغلق باب العمل، ويأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم ولا يفيد فيه التمني.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله الذي جعل في الموت عبرةً للمعتبرين، وفي قِصَر الأمل موعظةً للمتقين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد،
فيا عباد الله: خلاصة ما تقدم أن الاستعداد للرحيل واجبٌ على كل مسلم، وأن الموت آتٍ لا محالة، وأن خير الزاد التقوى، وأن العمل الصالح هو الرفيق في القبر، وأن ذكر الموت يوقظ القلوب، وأن ردّ المظالم والتوبة النصوح من أعظم أسباب النجاة، وأن من عاش على طاعة مات عليها، ومن مات عليها بُعث عليها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يبعث كل عبد على ما مات عليه) رواه مسلم. فاتقوا الله عباد الله، واستعدوا للقاء ربكم، وأصلحوا أعمالكم، وأكثروا من الطاعات، واجعلوا الدنيا مزرعةً للآخرة، فإنما هي أيام معدودة، وساعات محدودة، ثم الرحيل.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

www.islamweb.net