خطورة الغيبة وآثارها على الفرد والمجتمع

15/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

آفة خطيرة من مظاهر ضعف الإيمان، بل هي مُوبِقة من المُوبِقات، تنتهك الحُرمات، وتجلب الآفات، وتضيع الحسنات، وتقطع عُرى التواصل وأواصر المحبة. وهي خصلةٌ من خصال السوء الذميمة، تراها ظاهرة في اجتماعات الناس وتجمُّعاتهم ومجالسهم ومُنتدياتهم، قلّ أن ينجو منها أحد، من الرجال والنساء، والصغار والكبار..

جُرمها خطير، داءٌ عضال، ومقتٌ ووبال، كم هُتِك بسببها من أستار، وكم انتُقِص بها من أخيار، يشترك في إثمها الفاعل والسامع الراضي، كلهم في الإثم سواء. إنها آكلة لحوم البشر، إنها الغِيبة..
والغيبة كما شرحها العلماء هي أن تذكر أخاك بما يكرهه في غَيبته وعدم وجوده، في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلقه، أو خُلقه، أو ولده، أو زوجه، أو ثوبه، أو حركته، بلفظٍ أو همزٍ أو إشارة، وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ليعلِّمهم ويُعلمنا: (أَتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟ قالوا: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: ذِكْرُكَ أخاكَ بما يَكْرَهُ، قيلَ: أفَرَأَيْتَ إنْ كانَ في أخِي ما أقُولُ؟ قالَ: إنْ كانَ فيه ما تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيه فقَدْ بَهَتَّهُ) رواه مسلم. فإن لم يكن في أخيك ما قلتَه فكلامك عنه بهتانٌ وظلمٌ وكذب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ومَن رمى مسلمًا بشيءٍ يريدُ شينَه به حبسَه اللهُ على جسرِ جهنمَ حتى يَخرجَ مما قال (يوقَفُ للقِصاص)) رواه أبو داود.

وإذا كانت الغِيبة قد عُرِفت بأنها ذكرُ المرء بما يكره في غيبته، فإنها لا تقف عند حدود القول المباشر، بل تتسع لتشمل القول والفعل والوصف والحركات والإشارات والرموز، باللسان وباليد وبالعين، ولا تُحصَر في طريقة واحدة، ولا تنحصر في أسلوب بعينه..
فقد يُلبِسها المغتاب ثوب التديُّن والصلاح والورع، فيقول: فلانٌ غفر الله لنا وله، فيه كذا وكذا، لعل الله أن يعافيه!
وقد يُخرِجها آخر في قالب التعجُّب فيقول: كيف يفعل فلان كذا؟ أستغفر الله، كيف يفعل فلان كذا؟!
ومنهم من يُظهرها في صورة التحسُّر والشفقة فيقول: لقد حزنت لحال فلان، وإني مشفق عليه لما فعل من كذا وكذا، عافانا الله وإياه.
وقد يُخفيها بعضهم في صيغة التعميم فيقول: فعل هذا بعض الناس، وهو يقصد شخصًا بعينه يعرفه الحاضرون.
ومن صورها أيضًا: التعريض بالكلام، فإذا سُئل عن فلان قال: أصلحنا الله وإياه، أو عافانا الله وإياه، وهو يقصد التعريض بحاله..
والغِيبة ليس لطرائقها حد، كما قال الحسن البصري: "الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة، والإفك، والبهتان، فأما الغيبة فهو أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فأن تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان فأن تقول فيه ما ليس فيه".
ولكي تدركوا عِظَم البلاء بها، فانظروا إلى ما يخوض فيه بعض الناس في شبكات المعلومات ووسائل التواصل، حيث يُنشر من خلالهم كثير وكثير من معايب الناس، أو أخطاء لبعض أهل الفضل والصلاح، فيتضاعف الإثم، ويعمّ البلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

عباد الله: الغِيبة قد تعددت أساليبها، وآثارها تتجلى في واقع الناس بصورة مؤلمة، فكم ترون من إنسان قد جرّد لسانه تعديا على الأعراض، وانتهاكًا للحرمات، في همزٍ ولمزٍ وانتقاصٍ، فهذا طويل، وهذا قصير، وهذا أحمق، وهذا فاسق، وهذا منافق..
بل كم ترى من رجلٍ يُظهر الورع والتدين، ويبتعد عن الفواحش والظلم، وعليه مظاهر صلاح من صلاة وصيام وصدقات، ولكن لسانه يفرِي في أعراض الناس، أحياءً وأمواتًا، لا يبالي ما يقول، ولا يردعه صلاحه، ولا تحجزه عبادته، وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟!!
إن المجالس التي فيها الغِيبة مجالس شرٍّ وبلاءٍ وفتنة، تُؤكل فيها لحوم المؤمنين، وتُنتَهك فيها الأعراض، فهي موائد هلاك، ومجالس تنضح بالوقيعة في الخلق، يؤذي المغتاب فيها نفسه وجليسه، ويؤذون فيها عباد الله، وقد قال عدي بن حاتم: "الغِيبة مرعى اللئام".
وما الذي أوقعهم فيما أوقعهم إلا ضعف الديانة، وقلة الورع، ومجاراة الأقران، ومجاملة الجلساء. ولم يعلموا أنه كم من أشعث أغبر ذي طِمرين فقير لا يبالى به ينتقصون منه وهو خيرٌ منهم عند الله..

أيها المؤمنون: الغِيبة محرمة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتأباها الفِطر السليمة، والنفوس والصدور النقية، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ}(الحجرات: 12). ألم تتعجبوا كيف ضرب الله هذا المثل الشنيع للمغتاب؟ إنه ذلك الإنسان الذي بسط يده وفتح فمه ليأكل لحم أخيه ميتًا بالوقوع في غيبته..
وحينما عُرج بنبينا صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج مرّ بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقال: (مَن هؤلاء يا جبريلُ؟ قال: هؤلاء الَّذين يأكُلون لحومَ النَّاسِ، ويقَعون في أعراضِهم) رواه أبو داود.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (حسبك من صفية كذا وكذا ـ تعني أنها قصيرة ـ فقال صلى الله عليه وسلم لها: لقدْ قلتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بماءِ البحْرِ لَمَزَجَتْهُ) رواه أبو داود. سبحان الله! كلمة واحدة لو مُزجت بماء البحر لغيرت لونه ورائحته، فكيف بمن يملؤون ساعاتهم بالوقيعة في الناس، متلذذين بتمزيق أعراضهم وبنهش لحومهم؟
وإننا اليوم نرى هذه الآفة قد انتقلت من المجالس الضيقة إلى فضاءات واسعة عبر وسائل جديدة ووسائط متنوعة، تُنشر فيها المعايب، ويُتداول الكلام في أعراض الناس بلا خوف من الله ولا حياء من خلقه، حتى صار الأمر عند كثيرين تسليةً وملهاة، وهو عند الله جرمٌ عظيم، وذنبٌ جسيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله..

عباد الله: مَن وقاه الله شرَّ لسانه وشرَّ فرجه دخل الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: (مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ وما بيْنَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ له الجَنَّةَ) رواه البخاري. ولا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، فاشتغل بعيوب نفسك، ولا تكن ممن يرى القشة في عين أخيه ويغفل عن الحطب الذي يحمله على ظهره..
فتِّش في نفسك، في كلامك ولسانك، في أخلاقك، في مسؤولياتك وأهل بيتك وعملك، فإن الانشغال بعيوب النفس خير من الانشغال بعيوب الناس، ولو حاسب المغتاب نفسه حقًّا لعلم أنه أهلكها وأهلك جلساءه إن لم ينصحوه ويُنكِروا عليه، فالمستمع شريك، والمقرّ شريك، والواجب الإنكار والتوبة والتناصح والدفاع عن أعراض المؤمنين، ومن ردَّ عن عرض أخيه ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة..
واعلموا أن من تتبّع عورة أخيه تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته فضحه ولو في جوف بيته، وإذا ظهرت الغِيبة ارتفعت الأخوّة والمحبة..
وانظروا إلى دين وحكمة ذلك الرجل من سلفنا الصالح ـ الضابط للسانه ـ حين أراد أن يطلّق زوجته، فقيل له: "ما يسوؤك منها؟ قال: العاقل لا يهتك ستر زوجته، فلما طلّقها قيل له: لم طلّقتها؟ قال: ما لي وللكلام في امرأة أجنبية عني وقد تصير زوجة لأخي غدا"..
فاتقوا الله وحذار أن تكون أعراض الناس فاكهة مجالسكم، ولحومهم موائد منتدياتكم، فإن الغِيبة أسرع في إفساد دين المسلم من الأكلة في الجسد، والله تعالى يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}(ق:18:16)، وقال عقبة بن عامر رضي الله عنه: (قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما النَّجاةُ؟ قال: أمسِكْ عليْكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُكَ، وابْكِ على خطيئتِكَ) رواه الترمذي.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: أيها المسلمون:

من أعظم جوارح الإنسان وأخطرها شأناً اللسان، تُسل السيوف وتدق الأعناق بكلمات، تقوم صراعات وتثور فتنٌ بكلمات، وتقذف محصنات غافلاتٌ مؤمنات بكلمات، تهدم حصونٌ للفضيلة وتزرع الهموم والحسرات بكلمات.. بكلماتٍ يقال على الله بلا علم، الغيبة والنميمة، والسبُّ والافتراء، كبائر بكلمات..
وفي المقابل بكلمات: تستيقظ الضمائر، وتحيا المشاعر، ويفرح المحزون، وتعلو الهمم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: (كفَّ عليكَ هذا ـ وأشار إلى لسانه ـ، فقُلتُ: يا نبيَّ اللَّهِ، وإنَّا لمؤاخَذونَ بما نتَكَلَّمُ بِهِ؟ فقالَ: ثَكِلَتكَ أمُّكَ يا معاذُ، وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم) رواه الترمذي. قال صلى الله عليه وسلم: (المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ) رواه البخاري. وقال ابن القيم: "إن العبد ليأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال، فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به"..

وختاما، عباد الله: الغِيبة ليست مجرد كلمة عابرة لم تلق لها بالاً، بل هي آفة خطرها عظيم، وأثرها جسيم على الفرد والمجتمع، خصوصاً في زماننا هذا الذي صار الكلام فيه يُتداول في دقائق معدودة بين الآلاف وربما الملايين، ويُحفظ ويُعاد نشره، وصارت الغِيبة تُسجَّل وتُوثَّق وتُبثّ على الملأ، فيُضاعف الإثم، ويعظم الوزر، ويشتد الخطر! فلنحذر أن نكون ممن يضيّعون حسناتهم بألسنتهم، ويهدمون ما بنوه من طاعات بسبب كلمة أو تعليق أو مشاركة، فكيف إذا كانت منشورة على الملأ، يقرؤها الناس ويعيدون تداولها؟!!
فاتقوا الله عباد الله، واحفظوا ألسنتكم وأقلامكم وما تشاركون في نشره، فإنها حصائد تُكبّ بها الوجوه في النار، وكونوا كما قال عبد الله بن عباس: "اذكروا إخوانكم بما تحبون أن يذكروكم به، ودعوا ما تكرهون أن يُقال عنكم".

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56).
 

www.islamweb.net