العشر الأواخر وليلة القدر فضلها وأحكامها

07/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

معاشر المؤمنين: عليكم بتقوى الله فهي خير زاد ليوم المعاد، وهي نجاة من الفتن في الدارين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71]

أما بعد:

عباد الله: إن من أعظم مواسم الخير التي منَّ الله بها على عباده العشر الأواخر من شهر رمضان، فهي ليالٍ عظيمة مباركة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظمها ويجتهد فيها اجتهاداً لم يكن يجتهد مثله في غيرها. عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر، ‌ما ‌لا ‌يجتهد ‌في غيرها) رواه مسلم.

عباد الله: لقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليالي هديَ المجتهد العابد الذي يعلم قدرها وعظيم فضلها. عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله) متفق عليه.
ومعنى شد مئزره أي جدّ واجتهد في العبادة، وقيل اعتزل النساء ليتفرغ لعبادة الله تعالى.

أيها المسلمون: إن سرَّ عظمة هذه الليالي أن الله جعل فيها ليلةً هي خير الليالي كلها، وهي ليلة القدر التي شرفها الله بإنزال القرآن فيها.
قال الله تعالى في كتابه العظيم: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1-5].

فتأملوا عباد الله هذه الفضائل العظيمة:
أولاً: أنها الليلة التي نزل فيها القرآن الكريم، أعظم كتاب أنزله الله تعالى لهداية البشرية.

ثانياً: أن العبادة فيها خير من ألف شهر، أي خير من عبادة أكثر من ثلاثٍ وثمانين سنة، وهذا فضل عظيم ومنة كبيرة من الله تعالى على هذه الأمة.

ثالثاً: أن الملائكة تتنزل فيها بالرحمات والبركات، ومعهم جبريل عليه السلام.

رابعاً: أنها ليلة سلام وأمان وبركة حتى طلوع الفجر.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث أمته على اغتنامها، فقال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

أيها المؤمنون: لقد أخفى الله ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ليجتهد المسلم في جميعها، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى التماسها في الليالي الوترية.
عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (‌تحروا ‌ليلة ‌القدر ‌في ‌الوتر، من العشر الأواخر من رمضان) رواه البخاري.
أي في ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين.

عباد الله: إن من أعظم ما ينبغي للمسلم أن يحرص عليه في هذه الليالي المباركة أنواع العبادات والطاعات، ومنها:
أولاً: قيام الليل:
فقيام الليل من أعظم العبادات في هذه الليالي، وهو من أفضل القربات إلى الله.
قال الله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79].
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القيام والركوع والسجود، ويقرأ القرآن بتدبر وخشوع.

ثانياً: الإكثار من قراءة القرآن:
فإن رمضان هو شهر القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185].
وكان السلف الصالح يكثرون من تلاوة القرآن في رمضان، وخاصة في العشر الأواخر.

ثالثاً: الدعاء:
الدعاء من أعظم العبادات، وهو من أحب الأعمال إلى الله تعالى.
وقد سألت أم المؤمنين عائشة بني أبي بكر رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ماذا أقول؟ فقال: (قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه الترمذي.
وهذا الدعاء من أعظم الأدعية في هذه الليلة المباركة.

رابعاً: الذكر والاستغفار:
ومن الأذكار العظيمة التي ينبغي الإكثار منها:
• سبحان الله
• الحمد لله
• لا إله إلا الله
• الله أكبر
• لا حول ولا قوة إلا بالله
• أستغفر الله وأتوب إليه
• الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

فالذكر حياة القلوب، وبه تطمئن النفوس.

خامساً: الصدقة وفعل الخير:
فالصدقة في رمضان عظيمة الأجر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان.
عن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان ‌أجود ‌ما ‌يكون ‌في ‌رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري.

أيها المسلمون: إن هذه الليالي فرصة عظيمة قد لا تتكرر في حياة الإنسان، فكم من أناس صاموا معنا رمضان الماضي وهم اليوم تحت التراب، وكم من أناس كانوا بيننا وفارقوا الدنيا.
فلذلك ينبغي للمؤمن أن يجتهد فيها وأن يغتنمها قبل فواتها.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد بن عبد الله عبده ورسوله.

معاشر المؤمنين: عليكم بتقوى الله في السر والعلن فهي سبيل الوقاية من الفتن والمحن، وسبيل دخول الجنة والنجاة من النار.

أما بعد:

عباد الله: ومن أعظم العبادات التي شرعها الله في العشر الأواخر الاعتكاف.
والاعتكاف في اللغة: لزوم الشيء والمداومة عليه.
وفي الشرع: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى بنية التقرب إليه.

وقد دل على مشروعيته القرآن والسنة والإجماع.
قال الله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].

وفي الصحيحين عن عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده).
وهذا يدل على تأكيد سنة الاعتكاف وخاصة في العشر الأواخر.

والحكمة من الاعتكاف: أن الاعتكاف مدرسة إيمانية عظيمة، يربي النفس، ويصلح القلب.

ومن حكمه: التفرغ لعبادة الله والانقطاع عن مشاغل الدنيا، و تقوية الصلة بالله تعالى، ومحاسبة النفس ومراجعة الأعمال، والتفرغ لعبادة الله بالإكثار من الصلاة والذكر والقرآن والدعاء، وتحري ليلة القدر.
فالاعتكاف فرصة عظيمة لتزكية النفس وتطهير القلب.

أيها المسلمون: وهناك أعمال مشروعة في الاعتكاف، ينبغي للمعتكف أن يشغل وقته بها، ومن ذلك: الصلاة وقيام الليل، قراءة القرآن، الذكر والاستغفار، الدعاء، التفكر والتدبر.

أما الانشغال بالأحاديث الدنيوية أو الهواتف، أو وسائل التواصل فذلك مما يضيع مقصود الاعتكاف.

أيها المسلمون: وللاعتكاف أحكام ينبغي معرفتها:
أولاً: النية: فلا يصح الاعتكاف إلا بنية التقرب إلى الله تعالى.

ثانياً: مكان الاعتكاف: فلا بد أن يكون الاعتكاف في المساجد، لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]، والأفضل أن يكون مسجد جمعة لئلا يحتاج للخروج لأداء صلاتها.

ثالثاً: مدة الاعتكاف: أكمل الاعتكاف أن يكون في العشر الأواخر كلها، اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ويجوز الاعتكاف مدة أقل من ذلك عند كثير من أهل العلم. بل هناك من العلماء من يرى جواز الاعتكاف ولو للحظة يمكث فيها في المسجد بنية الاعتكاف.

رابعاً: خروج المعتكف من المسجد: لا يخرج المعتكف إلا لحاجة لا بد منها، مثل:
• قضاء الحاجة
• الوضوء أو الاغتسال
• إحضار الطعام إن لم يوجد من يأتيه به

وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها،  قالت: (وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل علي رأسه، وهو في المسجد، فأرجله، وكان ‌لا ‌يدخل ‌البيت ‌إلا ‌لحاجة إذا كان معتكفا).

خامساً: ما يفسد الاعتكاف: من الأمور التي تفسد الاعتكاف:
1. الجماع لقوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}، الخروج من المسجد بغير حاجة، الردة عن الإسلام والعياذ بالله.

عباد الله: ويجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد إذا أُمنت الفتنة وكان بإذن زوجها.
وقد ثبت أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم اعتكفن بعده، ومنهن عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما.

معاشر المؤمنين: إن العشر الأواخر من رمضان فرصة عظيمة للتوبة والرجوع إلى الله، فلنجتهد فيها بالطاعات، ولنكثر فيها من الدعاء لأنفسنا ولوالدينا وللمسلمين.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، كما قال رب العزة جل جلاله، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
 

www.islamweb.net