مظاهر قدرة الله في الخلق

15/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى
 
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً قامت عليها السماوات والأرض، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.
أما بعد، عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، وقال جلّ وعلا: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16]. واعلموا أن من أعظم التقوى معرفة الله بأسمائه وصفاته، والنظر في آياته الكونية والشرعية.
عباد الله: إن من أعظم أصول الإيمان التي جاء بها القرآن الكريم تقرير أن الله هو خالق كل شيء، وأنه سبحانه المتفرد بالخلق والإيجاد، قال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر: 62]، وقال سبحانه: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 3]، وقال جلّ وعلا: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54]. فالله هو الخالق وحده، وما سواه مخلوق، وهو الرازق وما سواه مرزوق، وهو المدبِّر وما سواه مدبَّر. وقد قرر القرآن هذا الأصل بأساليب متعددة: تارةً بالتحدي، وتارةً بالتذكير، وتارةً بإقامة الحجة العقلية، قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} [الطور: 35]، أي: أوجدوا أنفسهم؟ أم وُجدوا بلا خالق؟ وهذا مما لا يقبله عقل سليم. ولهذا قال بعض السلف: "من عرف نفسه عرف ربه"، لأن افتقار الإنسان وعجزه يدل على وجود خالق غني قادر.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرر هذا المعنى في القلوب، حتى إن جبير بن مطعم رضي الله عنه لما سمع هذه الآية قال: "كاد قلبي أن يطير" رواه البخاري. لما فيها من قوة الحجة ووضوح البرهان. فالإيمان بأن الله خالق كل شيء أصل تُبنى عليه العبادة، والخضوع، والتسليم .
أيها المسلمون: ومن أعظم مظاهر قدرة الله في الخلق هذا الكون العظيم الذي نعيش فيه، السماء وما فيها من نجوم وكواكب، والأرض وما فيها من جبال وبحار وأنهار، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]. تأملوا عباد الله في السماء كيف رفعها الله بلا عمد، وكيف زينها بالنجوم، وكيف جعل الشمس ضياءً والقمر نورًا، قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47]، وتأملوا في الأرض كيف بسطها، وجعل فيها رواسي، وأنزل فيها الماء، فأخرج به من كل زوج بهيج، قال تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} [ق: 7].
وانظروا إلى تعاقب الليل والنهار، هذا يأتي وهذا يذهب، بلا خلل ولا اضطراب، قال تعالى: {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ} [الزمر: 5]، وقال سبحانه: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس: 40]. إن هذا النظام الدقيق، وهذا الاتساق العجيب، لا يمكن أن يكون صدفة، بل هو دليل على خالق حكيم، قال تعالى: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88].
عباد الله: ومن أعظم مظاهر قدرة الله خلق الإنسان، هذا الكائن الذي جمع الله فيه من الآيات ما يبهر العقول، قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]، وقال سبحانه: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]. تأملوا في خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، حتى يصير سميعًا بصيرًا، عاقلًا مدركًا، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ} [يس: 77]، وتأملوا في قلبه الذي لا يتوقف، وفي عينه التي تبصر، وفي أذنه التي تسمع، وفي عقله الذي يفكر، كل ذلك يدل على قدرة الخالق وعظمته، بل إن اختلاف الناس في صورهم وألوانهم وألسنتهم آية من آيات الله، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} [الروم: 22].
أيها المؤمنون: ولو تأمّل الإنسان في نفسه فقط، لكفاه ذلك دليلاً بيِّنًا على وجود الله تعالى وكمال قدرته، فإن في خلقه من العجائب، وفي تركيب أعضائه من الإحكام، وفي انتظام وظائفه من الدقة ما يبهر العقول ويُخضع القلوب، قال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21]، فكل عضو في الإنسان آية، وفي كل خلية دليل، وفي كل نفس يتردّد في صدره شاهد على قدرة الخالق سبحانه، فهذا القلب ينبض بلا توقف منذ ولادة الإنسان إلى موته، لا يملك إيقافه ولا تشغيله، وتلك العين تبصر دقائق الأشياء وألوانها، والأذن تميز الأصوات واختلافها، والعقل يدرك ويفكر ويوازن، فكيف اجتمعت هذه القوى المتنوعة في هذا الجسد الصغير بهذا التناسق العجيب؟ ومن الذي أودع فيها هذا النظام البديع؟! قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} [الأعلى: 2-3].
وإذا تأمّل الإنسان في مراحل خلقه، من نطفة ضعيفة إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى إنسان مكتمل البنيان قادر على البيان؛ علم يقينًا أن وراء ذلك خالقًا حكيمًا مدبّرًا، قال تعالى: {وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ * ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ * ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ} [المؤمنون: 12-14]. ولقد صدق من قال: "وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد"، فكلُّ ما في الإنسان من دقة وإحكام يدل على وحدانية الله تعالى، وأن هذا الكون لم يُخلق عبثًا، بل خُلق بحكمة، ودُبّر بعلم، قال تعالى: {ربنا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ} [آل عمران: 191]. فمن نظر في نفسه بعين البصيرة لا بعين الغفلة؛ ازداد إيمانًا ويقينًا، وعلم أن أعظم التقوى أن يعرف العبد ربَّه من خلال آياته في نفسه، فيخشاه حق الخشية، ويعبده حق العبادة.
أيها المسلمون: ومن مظاهر قدرة الله كذلك ما بثه في الأرض من المخلوقات، من نبات وحيوان، قال تعالى: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ} [النحل: 13]، وقال سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ} [النور: 45]. تأملوا في النباتات كيف تنبت من أرض واحدة، وماء واحد، ثم تختلف في الطعم واللون والرائحة، قال تعالى: {يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد: 4]، وتأملوا في الحيوانات كيف سخرها الله للإنسان، منها ما يُؤكل، ومنها ما يُركب، ومنها ما يُنتفع به، قال تعالى: {وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ} [النحل: 5]. وهذا التنوع الهائل في المخلوقات يدل على سعة قدرة الله وعظيم حكمته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء) رواه مسلم، فخلق كل شيء بإحسان وإتقان.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
عباد الله: لقد دلت نصوص القرآن على أن الله خالق كل شيء، وأرشدتنا إلى النظر في مظاهر قدرته في السماوات والأرض، وفي أنفسنا، وفي سائر المخلوقات، فمن تدبر هذه الآيات ازداد إيمانًا ويقينًا، قال تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم: 10]، وقال سبحانه: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105]. إن التفكر في خلق الله عبادة عظيمة تزيد الإيمان، وتورث الخشية، قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. ومن عرف الله بآياته وقدرته، عظّمه في قلبه، وأقبل عليه بطاعته، واعتمد عليه في أمره كله، قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]. فالواجب علينا أن نجعل هذه الآيات سببًا لزيادة اليقين، وإيمانًا يثمر عملًا، وخشيةً، وإنابةً إلى الله تعالى.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

www.islamweb.net