مولد الحبيب ضياء العالم

21/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أحمده سبحانه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، له الحمد على نعمة الإسلام، وله الحمد على نعمة الإيمان، وله الحمد أن بعث فينا سيدَ الأنام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خيرُ من وُلد، وأشرفُ من عاش، وأعظمُ من بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَلْتَنْظُرْ ‌نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

عباد الله: إن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن بعث فيها نبيَّها محمدًا صلى الله عليه وسلم، هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة. {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب: 45 - 47].

عباد الله: إن مولد النبي صلى الله عليه وسلم حدثٌ عظيم في تاريخ البشرية، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158].

بل هو أعظم حدثٍ بعد خلق الإنسان؛ لأنه النور الخاتم الذي أضاء الله به الدنيا. قال الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].
فبعثته نعمة، ومولده مقدمةٌ لهذه النعمة العظيمة، فهو اليوم الذي ابتدأ فيه نور الرسالة. {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].

وقد وصفه الله بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فكان صلى الله عليه وسلم رحمةً عامة، للإنس والجن، بل وللعالم كله. وأولى الناس بالسعادة والفوز برحمته هم أهل الإيمان بالله ورسله كلهم عليهم الصلاة والسلام، {وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} [التوبة: 61].

معاشر المؤمنين: وإن مما ينبغي الاعتناء به ومعرفته التعريف بمولده صلى الله عليه وسلم: فقد وُلد النبي صلى الله عليه وسلم في عام الفيل، في شهر ربيع الأول، يوم الاثنين على الراجح من أقوال أهل العلم، وقد ثبت في الحديث عن ‌أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (..سئل عن صوم يوم الاثنين، قال: ‌ذاك ‌يوم ‌ولدت ‌فيه، ويوم بعثت -أو أنزل علي فيه-) رواه مسلم.
فدلَّ ذلك على أن يوم مولده يومٌ له خصوصية، يُشرع فيه شكر الله، ومن أعظم الشكر صيامه -أي يوم الاثنين- كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

أيها المسلمون: إن الحديث عن مولده صلى الله عليه وسلم يقودنا إلى الحديث عن فضائله، فهو خير الخلق، وأكرمهم على الله.
• فهو خاتم الأنبياء، قال تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40].

• وهو سيد ولد آدم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌أنا ‌سيد ‌ولد ‌آدم، ‌ولا ‌فخر، وأنا أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشفع، ولا فخر، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة، ولا فخر) رواه ابن ماجه.

ومن فضائله كما في هذا الحديث:
• هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة.
• وهو أول شافع، وأول مشفع.
• ولواء الحمد بيده يوم القيامة.

• وهو صاحب المقام المحمود. {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79]. وتفسيره على الراجح أن المقصود بالمقام المحمود هو المقام الذي يقومه النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم، قال القرطبي في تفسيره: "اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأول -وهو أصحها- الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان".

• وهو جامع المكرمات والأخلاق العاليات والصفات الكاملات ، فقد قال الله تعالى في حقه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، فجمع الله له مكارم الأخلاق كلها.

عباد الله: إن من المسائل التي كثر فيها الكلام: الاحتفال بالمولد النبوي.
والراجح من أقوال أهل العلم أن اتخاذ يوم مولده عيدًا يُحتفل به على هيئةٍ مخصوصة لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
وقد جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌من ‌أحدث ‌في ‌أمرنا ‌هذا ما ليس فيه فهو رد) متفق عليه.
وعن العرباض بن سارية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، ‌وإياكم ‌ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة) رواه أحمد. فالمشروع هو اتباعه لا الابتداع في دينه.

أيها المسلمون: وإذا سأل سائل فقال: كيف نُعظِّم مولد النبي صلى الله عليه وسلم؟
والجواب: إن تعظيم هذا اليوم لا يكون بالبدع، بل يكون بما شرعه الله، ومن ذلك:
• محبته صلى الله عليه وسلم: عن ‌أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌لا ‌يؤمن ‌أحدكم ‌حتى ‌أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) متفق عليه.

• اتباع سنته: قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 31].
• الإكثار من الصلاة عليه: قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
• تعلم سيرته: ففيها العبرة والقدوة.
• نشر دعوته والدعوة إلى سنته بين الناس.

معاشر المؤمنين: ولو تسائلنا: هل يوم مولده صلى الله عليه وسلم من أيام الله؟
نعم، عباد الله: إن الأيام التي تظهر فيها نعم الله وتجلَّت فيها رحمته تُعد من أيام الله، وقد قال تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: 5]، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم، لكن تذكُّره يكون بالشكر المشروع، لا بالاحتفال الممنوع.

عباد الله: وإن لنا دروساً وعبراً من مولده صلى الله عليه وسلم، ومنها:
• أن الله يختار من يشاء لرسالته.
• وأن النور يأتي بعد الظلمة.
• وأن الصبر طريق النصر.
• وأن هذا الدين قائمٌ على الرحمة.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

معاشر المؤمنين: وهنا جملة من الأخطاء يجب الحذر منها:
• الغلو في مدحه حتى يُرفع فوق منزلته التي أعطاه الله إياه فهو سيد الخلق وخير ما خلق الله.
• الابتداع في الدين، فهو محادة للشرع واستدراك على الشارع.

• الاقتصار على الاحتفال وترك الاتباع، فالمقصود الأعظم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا قدوة حسنة نقتدي به في كل شئون حياتنا، لا مجرد احتفال سنوي والبعد عن هديه وسنته، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

• الانشغال بالمظاهر دون العمل.

أيها المسلمون: وهذه وصايا عملية للاستفادة من تذكر يوم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:
• اجعل حب النبي صلى الله عليه وسلم في قلبك حقيقة.
• اقرأ سيرته باستمرار.
• التزم بسنته في حياتك.
• أكثر من الصلاة عليه.
• علِّم أبناءك أخلاقه وسيرته.

وختاماً، عباد الله: إن أعظم ما نقدمه في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم هو اتباعه والاقتداء به، فإن المحب الصادق هو الذي يسير على طريق محبوبه.
نسأل الله أن يرزقنا حبه، واتباع سنته، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يسقينا من حوضه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

www.islamweb.net