
الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:
حديثنا اليوم عن عبادة جليلة من أعظم عبادات القلوب، عبادةٍ بها يستجلب العبد مصالحَ دينه ودنياه، ويُصلِح فيها عاجله وآجله، ويستقيم قلبه على الطاعة، ويثبت عند البلاء، إنها عبادة: حُسْن الظَّنِّ بالله..
ومعنى حُسْن الظَّنِّ بالله: أن يثق العبد بربه، ويحسن التوكل عليه، ويرضى بأقداره، ويسلِّم لتدابيره، ويطمئن لأفعاله، ويَسكن لأحكامه، ويتيقن أن ما عند الله خير وأبقى.. وقد لخَّص بعض السلف هذا المعنى فقال: "توقُّع الجميل من الله تعالى"، أي أن المؤمن يتوقع من ربه المغفرة إذا استغفر، والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلب الكفاية، والفرج إذا ضاقت به السبل، وأيقن أن الخير فيما قدّر، وأن الفرج آتٍ لا محالة، وأن الله لا يخذل عبداً رجاه، ولا يرد سائلاً قصده، ولا يضيع عملاً أخلص فيه صاحبه، وقد جاء في الحديث القدسي: (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي) رواه البخاري.
وحُسن الظن بالله ليس مجرد شعور عابر، بل هو عقيدة راسخة، وعبادة قلبية، وواجب على المؤمن أن يعيش حياته ويلقى الله به، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ حُسنَ الظَّنِّ باللهِ تَعالَى مِن عِبادةِ اللهِ) رواه الحاكم. ومَن أحسن ظنه بالله تعالى، كان الله له كما ظن، والعكس بالعكس، ففي الحديث القدسي: (قال الله عز وجل: أنا عند ظنِّ عبدِي بي إنْ ظنَّ خيرًا فلهُ، وإنْ ظنَّ شرًّا فلهُ) رواه ابن حبان..
فالمؤمن الحق يظن بربه المغفرة إذا تاب، والرحمة إذا أناب، والنصر إذا جاهد، والرزق إذا سعى، والفرج إذا ضاقت عليه الدنيا، ويوقن أن الله لا يخذله، ولا يتركه، ولا ينساه، ولا يضيع عمله.. أما من أساء الظن بربه، فظن أنه لا يغفر له، أو لا يقبل توبته، أو لا يرزقه، أو لا ينصر دينه، فقد وقع في ظن السوء الذي ذمه الله، وجعل عاقبته الخسران المبين..
ولذا فإن حسن الظن بالله من أجلِّ عطايا الرب لعبده، إذ به يطمئن قلبه، ويستقيم حاله، ويقوى رجاؤه، ويثبت عند البلاء والشدائد.. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "والذي لا إله غيره، ما أُعطِيَ عبدٌ مؤمنٌ شيئًا خيرًا من حُسْن الظَّنِّ بالله عز وجل، والذي لا إله غيره لا يُحْسِنُ عبدٌ بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه، ذلك بأن الخير في يده"..
أيها المؤمنون: قال بعض السلف: "لا تذهب الدنيا حتى يقوم البكَّاؤون، فباكٍ يبكي على دينه، وباكٍ يبكي على دنياه، وأحسنهم حالًا أحسنهم ظنًّا بالله".
هذه الكلمات العميقة نراها ماثلة في واقعنا اليوم، حيث اجتمع بكاء الدين وبكاء الدنيا، فلا ترى أحدًا إلا وهو إما باكٍ على حاله وذنوبه وتقصيره مع الله، وباكٍ على أحوال الأمة وما تمر به من استضعاف، أو باكٍ على دنياه، من قلة المال، وغلاء الأسعار، وصعوبة المعيشة، وفي كل هذه الأحوال، لا نجاة ولا راحة إلا بحسن الظن بالله، فهو الذي يبدد اليأس، ويزرع الأمل، ويقوي العزيمة..
لذا ينبغي أن يصاحبنا حسن الظن بالله في كل حياتنا، وفي جميع شؤوننا، فلا يفارقنا لحظة واحدة، غير أن هناك مواطن وأوقاتاً يحسن بالعبد أن يزداد فيها حسن ظنه بربه جل جلاله:
ومن هذه المواطن: عند الدعاء وسؤال الله تعالى، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة) رواه الترمذي. فإذا رفع العبد يديه بالدعاء، وسأل ربه حاجته، فليحسن ظنه به، وليتيقن أن الله يسمع دعاءه، ويعلم حاجته، ويجيب من دعاه، ويحقق أمنية من رجاه، وليحذر من استعجال الإجابة أو ترك الدعاء، فإن الإجابة قد تتأخر لحكمة يعلمها الله، أو يبدلك الله خيرا مما طلبته وأنت لا تدري، قال صلى الله عليه وسلم: (يُستجاب لأحدكم ما لم يَعْجَلْ، يقول: قد دعوت ربي فلم يُسْتجب لي) رواه البخاري.
ومن المواطن والأحوال التي يظهر فيها حسن الظن بالله: عند أداء الواجبات والطاعات، والقربات، فإذا صلى العبد، أو صام، أو زكى، أو حج، فليحسن ظنه بربه أنه سيقبل منه عمله، ولو كان صغيراً، وأنه لن يضيع سعيه، بل سيضاعف له الأجر أضعافاً كثيرة، قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ}(النمل:89)..
وكذلك عند الصدقات على الفقراء والمسكين والأرامل واليتامى، والإنفاق في سبيل الله، فإن من حسن الظن بالله أن يبذل العبد ماله في وجوه الخير، واثقاً أن الله سيخلف عليه ما أنفق، ويبارك له فيما أبقى، ويضاعف له الأجر، قال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}(سبأ: 39)، فمن أنفق وهو يحسن الظن بربه، لم يخف فقراً، ولم يجزع من قلة، بل أيقن أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
من مواطن حسن الظن بالله: ما يكون عند التوبة والرجوع إليه سبحانه، فإن العبد إذا صدق في توبته، وأحسن ظنه بربه، فليتيقن أن الله سيتوب عليه مادام صادقا، مهما عظمت ذنوبه، وكثرت معاصيه، ولو بلغت عنان السماء، أو كانت مثل زبد البحر، أو بعدد رمال الصحراء، فالله تعالى برحمته وفضله يغفر الذنوب جميعاً، قال سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(الزمر:53)، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ لو بلغت ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ، ولا أبالي، يا ابنَ آدمَ إنَّكَ لو أتيتَني بقرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً) رواه الترمذي.
ومن مواطن حسن الظن بالله أيضاً: عند التوكل عليه في طلب الرزق والسعي على المعاش، فالمؤمن يحسن ظنه بربه أنه سيرزقه، ولن يضيع سعيه، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(الطلاق:3)، فإذا ضاقت الأرزاق، وكدرت المعيشة، فليحسن العبد ظنه برازقه ومولاه، وليعلم أن الفرج قريب، وأن الرزق بيد الله وحده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَن أصابَتهُ فاقةٌ فأنزلَها بالنَّاسِ لم تُسَدَّ فاقتُهُ، ومن أنزلَها باللَّهِ أوشَكَ اللَّهُ لَه بالغِنى) رواه أبو داود، ومع ذلك لا بد من بذل الأسباب والسعي والكد، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لو أنَّكم كنتُم توَكلونَ علَى اللهِ حقَّ توَكلِه لرزقتُم كما يرزقُ الطَّيرُ تغدو خماصًا وتروحُ بطانًا) رواه الترمذي. وقال الحسن البصري: "إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن بربه فأساء العمل". فحسن الظن بالله مقرون دائماً بحسن العمل، وإلا كان مجرد أماني فارغة.
ومن الأحوال التي يكون فيها حسن الظن بالله آكد وأشد ضرورة: عند الأزمات والشدائد والكربات، فإذا نزلت بالعبد مصيبة، أو أحاطت به الهموم، أو ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، فليحسن ظنه بربه، وليعلم أن له رباً رحيماً بعباده، لطيفاً بحالهم، يجيب دعوة المضطرين، ويفرج الهموم، ويزيل البأساء، وينفس الكرب، وييسر العسر، ويدفع الظلم، ويشفي المرض، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ}(النمل:62)، وقال سبحانه: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}(الشعراء:80).
ومن أعظم المواطن التي يجب فيها حسن الظن بالله: ساعة الموت والاحتضار، وهي أشدها وأعظمها أهمية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يَموتَنَّ أحَدُكُم إلَّا وهو يُحسِنُ الظَّنَّ باللَّهِ عَزَّ وجَلَّ) رواه مسلم. أي أن يحسن ظنه بمن هو وافد عليه، وقادم إليه، فيثق أنه سيقدم على من سبقت رحمته غضبه، على البر الرحيم، والعفو الكريم.. دخل النبي صلى الله عليه وسلم على شاب وهو في الموت فقال: (كيف تجدُكَ؟ قال: أرجو اللهَ يا رسولَ اللهِ، وإنِّي أخافُ ذنوبي، فقال رسولُ اللهِ لا يجتمِعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا المَوطنِ إلَّا أعطاهُ اللهُ ما يرجو، وأمَّنَهُ ممَّا يخافُ) رواه الترمذي..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:
إن حسن الظن بالله يحمي المؤمن من نوبات القلق والهلع، ويجعله ثابتاً عند البلاء، مطمئناً عند الشدائد، راضياً بما قسم الله له، متوكلاً عليه في كل أموره، أما سوء الظن بالله فهو داء يهدم الإيمان ويقود إلى القنوط واليأس.
حسن الظن بالله يثمر في القلب راحة وسكينة، ويبعث على الجد والاجتهاد، ويغرس في الحياة التفاؤل والأمل، فمن أحسن الظن بربه عاش سعيداً وإن قلّ ماله، واطمأن قلبه وإن كثرت همومه، لأنه يعلم أن الله عند ظنه، وأنه سبحانه لا يخيب رجاء من رجاه.
فلنحرص أن نلقى الله بحسن الظن به، وأن نغرس هذا الأصل العظيم في قلوبنا وقلوب أبنائنا، فهو زاد المؤمن في الدنيا ونجاة له في الآخرة، قال الله تعالى: (أنا عندَ ظَنِّ عَبدي بي؛ فَلْيَظُنَّ بي ما شاءَ) رواه ابن حبان، وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، وقال سفيان الثوري: "ما أحب أن حسابي جُعل إلى والديّ، ربي خير لي من والديّ".
فليكن حُسن الظن بالله شعارنا في حياتنا كلها، حتى نلقى الله فيكون سبحانه لنا عند ظننا، ويكرمنا بما نرجو، ويؤمننا مما نخاف.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..