حُفت الجنة بالمكاره، والنعيم لا يُدرَك بالنعيم

26/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

من الحقائق الثابتة التي يشهد بها النقل والعقل والواقع، أن النعيم لا يُدْرَك بالنعيم، وأن البَطَّال لا يبلغ منازل الأبطال، وأن السلعة الغالية لا تُنال بالثمن الرخيص، وأن ما عند الله لا يُنال بالتمني، وإنما يُنال ببذل الجهد في الطاعة، ومغالبة النفس والهوى، وحملها على ما يحب الله ويرضى، قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ}(البقرة:214)، ويقول سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}(آل عمران:142).
والجنة حُفَّت بالمكاره، مِن مجاهدة النفس، والصبر على مشاق العبادة والمحافظة عليها، وكظم الغيظ والعفو، والإحسان والصدقة، بينما النار حُفَّت بالشهوات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِه، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَوات) رواه مسلم.
وقال ابن القيم: "إن الخيرات واللذات والكمالات لا تنال إلا بحظٍ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسرٍ من التعب، ومن آثر الراحة فاتته الراحة". فالصبر على الطاعة ساعة يورث راحة الأبد، والدنيا كلها ساعة، فمن صبر فيها نال سعادة الأبد..
"النعيم لا يُدرك بالنعيم"، كان واقعا مطبقا في حياة الصحابة رضي الله عنهم، فما عاقهم مكروهٌ ولا بأسٌ عن بلوغ هدفهم، بل وظفت الشدة والمكروه لتهذيب أنفسهم، فإذا هم قلوبٌ تتصل بالله، تتذكره وتخشاه، وتؤثره على كل مغريات الحياة، حين تشابهت السبل على الناس اتخذوا هم سبيل الله سبيلاً، وحين ضل الناس جعلوا هم محمداً صلى الله عليه وسلم إماما ومرشدا ودليلا، حتى إذا خرجوا من الصحراء إلى فارس والروم، دوّن التاريخ مآثرهم وبطولاتهم، ووقف العالم مشدوهاً أمام انتصاراتهم..

أيها المؤمنون: لما أسلم الكثير من الصحابة، عاداهم قومهم، وضيقوا عليهم في معيشتهم، وما نقموا منهم إلا أن آمنوا بالله، فكانت نفوسهم وقلوبهم لقوة إيمانهم في غاية النعيم، حيث خولطت بشاشتها بالإيمان، فهم سادة الصابرين في الضراء، الشاكرين في السراء، كيف وهم يرجون ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟
كان مصعب بن عمير رضي الله عنه يُلقب بـ "فتى قريش المدلل"، فقد نشأ في أحضان النعمة والترف، وكانت أمه تكسوه أحسن الثياب وتطيبه بأجمل العطور، وما إن أشرق نور الإيمان في قلبه، حتى هجر ذلك كله، ورضي أن يتجرع مرارة الفقر والحاجة في سبيل الله، وتحول مصعب بنور الإيمان والعقيدة إلى شخصية يملؤها الإجلال والمهابة، حتى إذا رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم تأثر وربما دمعت عينه، وهو الذي يعز عليه عنت أصحابه ومشقتهم..
ثم انظروا إليه -رضي الله عنه- بعد استشهاده في غزوة أحد، وقد ألبسوه ثوباً، إن غطوا رأسه ظهرت قدماه، وإن غطوا قدماه ظهر رأسه، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال وهو ينظر إليه: "انظروا إلى هذا الرجل الذي نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبويه يغذوانه بأطيب الطعام والشراب فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون".
لقد كان مصعب رضي الله عنه مثالاً حياً على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، ولذلك لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخشى على أمته الفقر، وإنما كان يخشى عليهم الترف والانغماس في الدنيا، فقال: (واللهِ لا الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِن أخَشى علَيكُم أن تُبسَطَ عليكمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتهُم) رواه البخاري.

عباد الله: خرج الصحابة رضوان الله عليهم مجاهدين، فإذا الستة منهم يركبون بعيراً واحداً، حتى نُقبت أقدامهم وسقطت أظفارهم، في يومٍ حر على الرمال بلا نعال، فجمعوا الخِرَق على أرجلهم يتقون بها حر الرمال وصلابة الصخور، فسميت تلك الغزوة بـ(ذات الرقاع)، فالنعيم لا يُدرك بالنعيم، ومن جدّ وجد، ومن سهر ليس كمن رقد، والفضائل تحتاج إلى وثبة أسد، ومن تعب اليوم استراح غداً..
خرجوا يوم بدر لا يريدون القتال، وإنما خرجوا يريدون الغنيمة، فإذا الغنيمة غير الغنيمة، وإذا العزيمة تشتد بعد المشورة يوم قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أشيروا عليَّ أيها الناس)، فإذا بالمهاجرين يعلنون الولاء والطاعة، ويقول أحدهم: "امضِ لما أراك الله يا رسول الله، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"..
وإذا بالأنصار يسطرون أعظم صفحات الإقدام والثبات، حتى قال قائلهم: "والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت أحب إلينا مما تركت، وما أمرت به من أمر فأمرنا تبعٌ لأمرك، فامضِ يا رسول الله لما أردت، فنحن معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبرٌ في الحرب، صدقٌ عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله"..
فتنفرج أسارير رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: (سيروا وأبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم).. أصابوا الدنيا والآخرة، وكتب الله لهم النصر والتمكين، والنعيم لا يدرك بالنعيم..

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه كان من أغنياء الصحابة، ولكن غناه لم ينسه الآخرة، ولم ينسه أصحابه، أُتي بطعامٍ وهو صائم، فتذكر مصعب بن عمير وحمزة رضي الله عنهما، وكيف قُتلا، ولم يريا من نعيم الدنيا شيئاً، فخشِي أن تكون حسناته قد عُجلت له، فبكى حتى ترك الطعام.. لقد تذكر أولئك الذين سبقوه إلى الله، فخاف أن يكون قد فاته ما أدركوه من رفعة المقام عند الله، وهو يرى الدنيا قد بُسطت له..
لقد علم الصحابة رضوان الله عليهم أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن طريق الجنة محفوف بالمكاره، فصبروا واحتسبوا، فنالوا ما وعد الله به عباده الصابرين، فمن أراد الجنة فليعلم أنها حُفَّت بالمكاره، وأن طريقها لا يُقطع إلا بالإيمان والطاعة والصبر واليقين، والعاقبة للمتقين..

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

ليس معنى أن "النعيم لا يُدرَك بالنعيم" الإعراض عن الدنيا، وترك الأسباب، ورفض ما أباح الله لنا من الطيبات، كلا ، فالدنيا مزرعة الآخرة، وفيها يعمل العاملون، ويجتهد المجتهدون، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم فرساناً بالنهار، رهباناً بالليل، جمعوا بين عمارة الدنيا بالجد والاجتهاد والتعمير، وبين عمارة القلوب بالخشوع والعبادة والطاعة، فكانوا أمةً وسطاً، لا إفراط ولا تفريط..
ومن هنا ندرك أن النعيم الحق ليس في زخارف ومتاع الدنيا، بل في معانٍ أعظم وأبقى: فطاعة الله نعيم، والثبات على الدين نعيم، والتمسك بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم نعيم، والأخلاق الطيبة نعيم، والإحسان إلى الخلق نعيم، وضبط الجوارح والمكاسب بالشرع نعيم، وكل ذلك لا يُنال إلا بالصبر والمصابرة، والجهاد والمجاهدة.

أما النعيم الكبير الحقيقي السرمدي فهو في دار الخلود، حيث لا نصب ولا تعب، ولا خوف ولا حزن، وإنما نعيم مقيم، في دارٍ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) رواه الترمذي.
ولو أن لأحدنا ألف روح، وألف عمر فبذلها ليصل إلى نعيم الجنة لكان قليلاً، ولو أن رجلاً يُجر على وجهه من يوم ولدته أمه إلى يوم يموت هرماً في طاعة الله، لحقر ذلك يوم القيامة حين يرى عظيم أجر الله وعطائه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يُؤتى بأشَدِّ النَّاسِ بُؤسًا في الدُّنيا مِن أهلِ الجَنَّةِ، فيُصبَغُ صَبغةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابنَ آدَمَ، هل رَأيتَ بُؤسًا قَطُّ؟ هل مَرَّ بك شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا واللهِ يا رَبِّ، ما مَرَّ بي بُؤسٌ قَطُّ، ولا رَأيتُ شِدَّةً قَطُّ) رواه مسلم.
وختاماً: النعيم الحق في الجنة، يُدرك بالصبر على المكاره، والجد في الطاعات، والابتعاد عن المعاصي والشهوات، والمصابرة والرضا بالأقدار، وأن تكون الدنيا في يدك، ولا تدخلها قلبك، وتنفقها في سبيل الله..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
 

www.islamweb.net