اللغةُ العربية: هويةُ الأمة، ولسانُ الوحي

30/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه الخير كلَّه، هو أهل الثناء والمجد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنزل كتابه بلسانٍ عربيٍّ مبين، وجعل هذه اللغة وعاءً لوحيه، وحاملةً لشرعه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أفصحُ العرب لسانًا، وأبلغُهم بيانًا، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌حَقَّ ‌تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَلْتَنْظُرْ ‌نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) ‌يُصْلِحْ ‌لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:  عباد الله: اعلموا أن من أعظم النعم التي امتنَّ الله بها على هذه الأمة: نعمةُ اللغة التي اختارها الله لكتابه، وجعلها لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وربط بها دين الإسلام ارتباطًا وثيقًا لا ينفك عنه، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم: 4]، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].

معاشر المؤمنين: للغة العربية مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهي ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي لغةُ الوحي، ولسانُ الشريعة، وعنوانُ الهوية الإسلامية، قال الله تعالى: {الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 1، 2]، {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الزمر: 28]، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]، {وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12]، وقال سبحانه: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 195].

فهذه النصوص تدل على شرف هذه اللغة، إذ اختارها الله لحمل أعظم رسالة، ولتكون وعاءً لآخر كتبه.

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌أوتيت ‌جوامع ‌الكلم)؛ أي الكلمات القليلة التي تحمل معاني عظيمة، وهذا من خصائص العربية وبلاغتها.
قال الخطابي: "قوله: (أوتيت جوامع الكلم)، معناه: ‌إيجاز ‌الكلام ‌في ‌إشباع ‌للمعاني، يقول الكلمة القليلة الحروف، فتنتظم الكثير من المعنى، وتتضمن أنواعا من الأحكام.
وفيه: الحض على حسن التفهم، والحث على الاستنباط لاستخراج تلك المعاني، ونبش تلك الدفائن المودعة فيها".

وقال ابن حجر: "وجمع الكلم: القرآن، فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك".

أيها المسلمون: وللغة العربية فضائل عظيمة، وخصائص جسيمة، منها:أنها لغة القرآن الكريم، ولا يُفهم القرآن حق الفهم إلا بها، وكذلك هي لغة السنة النبوية التي هي المصدر الثاني للتشريع.

ومن فضائلها، أنها لغة العبادات: فالصلاة، والأذكار، وتلاوة القرآن، كلها مرتبطة بالعربية.

ومن خصائصها، أنها لغة العلم الشرعي؛ فكتب الفقه والتفسير والحديث وسائر علوم الشريعة كُتبت بها؛ وذلك لأن من خصائصها المنفردة بها عن سائر لغات الدنيا اليوم، أنها لغة واسعة غنية: تحمل أدق المعاني، وأرق الأساليب، وهي أوسع لغات العالم مادة لغوية، لا يمكن أن يصل إلى وسعها أي لغة حية اليوم.

عباد الله: والعناية باللغة العربية ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي ضرورة شرعية؛ لأن فهم الدين متوقف عليها.

قال ابن تيمية: "إن نفس اللغة العربية من الدين ومعرفتها فرض واجب؛ فإن فهم الكتاب والسنة فرض ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم منها ما هو واجب على الأعيان، ومنها ما هو واجب على الكفاية، وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، أما بعد: فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي.

وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم.

وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية، وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه فقه أقوال وأعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله".

فمن ضعف في العربية، ضعف فهمه للدين، ومن قوي فيها، قوي فهمه واستقام علمه.

أيها المسلمون: ورغم هذه المكانة العظيمة، إلا أن واقع اللغة العربية في زماننا يشهد ضعفًا ظاهرًا، في صور شتى: "ضعف في التحدث بها، وانتشار اللهجات العامية على حساب الفصحى، والإعراض عنها في التعليم والإعلام، وضعف القراءة والكتابة الفصيحة لدى الأجيال".

وقد أشارت تقارير تربوية إلى أن كثيرًا من الطلاب يعانون من ضعف في مهارات اللغة العربية؛ مما يؤثر على تحصيلهم العلمي، وفهمهم العام.

عباد الله: ولذلك لا بد من زيادة الاهتمام باللغة، والعناية والاحتفاء بها؛ والإعلاء من شأنها والتنويه بأهميتها، وما يسمي بـ (اليوم العالمي للغة العربية)، والذي يُحتفى به في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، وأقرَّته المنظمات الدولية تقديرًا لمكانة هذه اللغة وانتشارها.
هذا اليوم فرصة للتذكير بقيمتها، وتعزيز الاهتمام بها، وإحياء الاعتزاز بها في نفوس الأجيال.

لكن لا ينبغي أن يكون الاحتفاء بها يومًا واحدًا، بل ينبغي أن يكون سلوكًا دائمًا، وعنايةً مستمرة، وممارسة دائمة، ومشاركة فعالة بين الجميع في إحيائها على سنن العرب ومعهود كلامهم وأساليبهم ومفرداتهم، فهي هويتهم القومية، ولغتهم الدينية، وجامعتهم الكبرى.

معاشر المؤمنين: وهنا يحق لنا أن نتساءل: كيف ننشئ الجيل على حب العربية، والتكلم بها على قوانينها؟

أيها القادة والآباء والمربون: إن مسؤولية الحفاظ على اللغة العربية تقع على عاتقكم، فلا بد من اتخاذ الوسائل المتنوعة، والبرامج المتعددة للقيام بهذه المهمة العظيمة، ومن الوسائل العملية:

التحدث بها في البيت؛ فالطفل يكتسب اللغة من بيئته، ومزيد العناية بتعليم القرآن الكريم فهو أعظم وسيلة لترسيخ العربية.

ومن الوسائل: قراءة القصص العربية التي تنمي المفردات والأسلوب، وتشجيع الأبناء على التعبير: كتابةً وخطابةً.

ومن الوسائل المهمة: اختيار المدارس والبرامج التي تهتم باللغة، وتعزز مهاراتها، والتركيز على القدوة الحسنة فالأبناء يتأثرون بآبائهم، ومعلميهم، وأصدقائهم، ومن يحبونهم ويعظمونهم.

عباد الله: وما دام أن اللغة العربية بهذه المكانة والأهمية الشرعية والحضارية للمسلمين، فهناك جملة من الأخطاء يجب الحذر منها في التعامل مع اللغة، ومنها:

الحذر من الاستهانة باللغة العربية؛ كالسخرية منها أو من الذي يتحدث بها، وكذلك عدم تقديم اللغات الأجنبية عليها بلا حاجة.

كما ينبغي الحذر من إهمال تعليمها للأبناء، أو الخلط المفرط بينها وبين اللغات الأخرى.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد: أيها المسلمون: اللغة ليست مجرد ألفاظ ومفردات، بل هي هوية وثقافة، ووعاء وحضارة، فإذا ضاعت اللغة ضاعت الهوية والحضارة.
وقد قيل: "اللغة وعاء الفكر، فإذا فسد الوعاء فسد ما فيه".

قال ابن تيمية: "واللغات من أعظم شعائر الأمم التي يتميزون بها".
وقد روى البيهقي بإسناد صحيح: أن عمر قال: "لا تعلموا رطانة الأعاجم".

وقال الشافعي -وقد كره تسمية التاجر بالسمسار-: "فلا نحب أن يسمي رجل يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً، ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بالعجمية، وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب، فأنزل به كتابه العزيز، وجعله لسان خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم، ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها؛ لأنها اللسان الأولى بأن يكون مرغوباً فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية".

ويقول ابن تيمية: "وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله، ولأهل الدار، وللرجل مع صاحبه، ولأهل السوق أو للأمراء، أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه، فلا ريب أن هذا مكروه، فإنه من التشبه بالأعاجم... إلى أن قال: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً، ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق".

فالحفاظ على العربية هو حفاظ على الدين، وعلى الثقافة، وعلى تاريخ الأمة.

أيها المسلمون: إن من واجبنا الحفاظ على ديننا وهويتنا، ومدخل ذلك الحفاظ على العربية والتكلم بها وتعلمها، وهنا جملة من الوصايا لتحقيق ذلك، يلزم كل مسلم القيام بها ما استطاع:
احرص على تعلم العربية، فإنها هويتك ومن صميم دينك.

اقرأ القرآن بتدبر وترتيل وتفهم، وأكثر من القراءة في الكتب العربية، ودرّب نفسك على التحدث بها.

علِّم أبناءك حبها، وأكثر من الكلام والتكلم معهم بها.

وختاماً عباد الله: إن اللغة العربية أمانة في أعناقنا، وهي ميراث عظيم تركه لنا أسلافنا، فعلينا أن نحافظ عليه، وأن نعتز به، وأن نورثه لأبنائنا.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

www.islamweb.net