ثمرات الإيمان بالقدر

30/04/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى
 
الحمد لله تعالى الذي قدَّر فهدى، وأعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى، كتب المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وجعل كل شيءٍ عنده بقدر، لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، ولا يخرج شيءٌ عن إرادته، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الصادق المصدوق، الذي بلّغ عن ربه أمر القدر وبيّن حقيقته، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]
أما بعد،
عباد الله: إن الإيمان بالقدر من أعظم أصول الإيمان، ومن أجلّ عقائد الإسلام، لا يتم إيمان العبد إلا به، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) رواه مسلم، فهو ركنٌ من أركان الدين، وأساسٌ من أسس اليقين، به تستقيم القلوب، وتهدأ النفوس، ويعرف العبد ربه حق المعرفة، فيعلم أن كل ما يجري في هذا الكون إنما هو بعلم الله تعالى ومشيئته وقدرته، فلا يقع شيءٌ صدفة، ولا يحدث أمرٌ عبثًا، بل كل شيءٍ عنده بمقدار، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، فإذا استقر هذا المعنى في قلب المؤمن تغيّرت نظرته للحياة، فلم يعد يرى الأحداث مجرد مصادفات، بل يراها تقديرًا إلهيًا محكمًا، فيه علم وحكمة ورحمة، وإن خفيت عليه بعض أسبابه.
أيها المسلمون: من أعظم ثمرات الإيمان بالقدر راحة القلب وسكون النفس، فإن العبد إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، استراح من القلق، وانقطع عنه الاضطراب، ولم يعد يرهقه التفكير في "لماذا حدث؟" و"ماذا لو لم يحدث؟"، لأنه يعلم أن الأمر قد قُضي، وأنه لا رادّ لما قضى الله تعالى، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22]، فالمؤمن لا يعيش أسير الماضي، ولا يندم ندمًا يقتله، بل يتعامل مع ما وقع برضا وتسليم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل) رواه مسلم. فبهذا الإيمان تزول الحسرات، وتخفّ الآلام، ويعيش الإنسان مطمئنًا، يعلم أن الله تعالى اختار له ما هو خير.
 
أيها المؤمنون: ومن أعظم ثمرات الإيمان بالقدر الصبر عند البلاء، فالعبد إذا علم أن المصيبة بقضاء الله تعالى، صبر واحتسب، ولم يجزع ولم يتسخط، بل رضي وسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له) رواه مسلم. فالمؤمن رابح في كل حال، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، أما من ضعف إيمانه بالقدر، فإنه يضيق صدره، ويجزع، وربما اعترض على قضاء الله تعالى، فيخسر الأجر، ويضاعف الألم، ولهذا كان من أعظم ما يثبّت العبد عند المصيبة أن يستحضر أن الله تعالى هو الذي قدّرها، وأنه سبحانه أرحم به من نفسه، وأن هذا البلاء قد يكون سببًا في رفع درجاته، أو تكفير سيئاته.
 
عباد الله: ومن ثمرات الإيمان بالقدر كذلك قوة التوكل على الله تعالى، فإن العبد إذا علم أن الأمور كلها بيد الله تعالى، وأنه لا يقع شيءٌ إلا بإذنه، اعتمد عليه، وفوّض أمره إليه، ولم يتعلق قلبه بالمخلوقين، لأنه يعلم أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فضلاً عن غيرهم، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3]، فالتوكل ثمرة عظيمة من ثمرات الإيمان بالقدر، تجعل العبد قويًا في قراراته، ثابتًا في مواقفه، لا يتردد ولا يضطرب، لأنه يعلم أن الله تعالى معه، وأنه كافيه، ومن توكل على الله تعالى كفاه، ومن اعتمد عليه هداه.
 
أيها المسلمون: ومن أعظم ثمرات الإيمان بالقدر زوال الحسد، وقطع النظر إلى ما في أيدي الناس، فإن الحاسد إنما يحسد لأنه لم يرض بقسمة الله تعالى، أما من آمن بالقدر، فإنه يعلم أن الأرزاق مقسومة، وأن الله تعالى يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بحكمة، فلا يحسد أحدًا، بل يرضى بما قسم الله تعالى له، ويشكر نعمه، ويرجو فضله، كما أن من ثمراته الشجاعة والإقدام، فلا يخاف المؤمن من الناس، لأنه يعلم أن الأجل بيد الله تعالى، فلا يتأخر عن الحق، ولا يضعف أمام الباطل، ومن ثمراته كذلك التواضع، لأنه يعلم أن ما عنده من نعمة إنما هو بفضل الله تعالى لا بحوله وقوته، قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، فيتواضع ولا يتكبر، ويحمد الله تعالى ولا يغتر.
 
عباد الله: إن الإيمان بالقدر يورث في القلب الطمأنينة، ويملؤه سكونًا ورضًا، فيجعل العبد راضيًا بما قسم الله تعالى له، صابرًا عند البلاء، شاكرًا عند الرخاء، متوكلاً على ربه في كل حال، لا يندم على ما فات، ولا يتحسر على ما لم يكن، ولا يجزع مما أصابه، لأنه يعلم علم اليقين أن كل ما جرى إنما هو بقدر الله تعالى، وأن الخير كل الخير فيما اختاره الله تعالى له، لا فيما اختاره هو لنفسه، وأن تدبير الله تعالى له خير من تدبيره لنفسه، وقضاء الله أحكم من رأيه وتقديره.
 
هذا الإيمان العظيم لا ينبغي أن يبقى مجرد أمر ذهني ومعرفة نظرية، بل الواجب أن يظهر أثره في واقعنا وسلوكنا، في مواقفنا عند الشدائد، وفي تعاملنا مع تقلبات الحياة، وفي نظرتنا للأحداث من حولنا، فنرضى بقضاء الله تعالى، ونحسن الظن به، ونسلّم لأمره، ونوقن أن ما قدّره الله تعالى واقع لا محالة، وأن ما عنده خير وأبقى، وأنه سبحانه لا يقدّر لعبده إلا ما فيه مصلحة، وإن خفيت عليه الحكمة، أو اشتد عليه الألم، فيعيش المؤمن بين صبرٍ ورضا، وبين عملٍ وأمل، ثابت القلب، مطمئن النفس، راضيًا عن ربه، حسن الظن به في كل حال.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله تعالى على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعالى وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد،
أيها المؤمنون: اعلموا أن الإيمان بالقدر لا يعني ترك العمل، ولا الاتكال على الأماني، ولا التذرع بالقضاء لترك السعي والاجتهاد، بل هو في حقيقته دافع قوي للعمل، وباعث على الأخذ بالأسباب، مع تعلق القلب بالله تعالى وحده، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) رواه البخاري، فأمر بالعمل، وبيّن أن التيسير لا يكون إلا لمن سعى واجتهد، فالمؤمن يعمل ويجتهد، ويخطط ويأخذ بالأسباب، لكنه لا يعتمد عليها، بل يعتمد على الله تعالى، ويعلم أن النتائج بيده سبحانه، فإن وفقه الله تعالى حمده وشكره، وإن لم يتحقق له ما يريد، رضي وسلّم، ولم ييأس ولم يقنط، لأنه يعلم أن الخير فيما اختاره الله تعالى له، لا فيما اختاره هو لنفسه. فاجمعوا – عباد الله – بين العمل والتوكل، وبين السعي والتسليم، فإن هذا هو منهج المؤمنين، وبه تتحقق السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
عباد الله: اتقوا الله تعالى، وحققوا الإيمان بالقدر في قلوبكم، وارضوا بقضاء الله تعالى، وأحسنوا الظن به، فإن ذلك مفتاح السعادة في الدنيا، وسبب النجاة في الآخرة.
 
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

www.islamweb.net