
ما أكثر من يقرأ القرآن، وما أقل من يحيا به!
فبين قارئٍ يمرّ على الآيات مرور العابرين، وقارئٍ تتخلل الآيات شغاف قلبه، مسافةٌ شاسعة هي مسافة الوصال. ذلك أن المقصود الأعظم من إنزال القرآن ليس مجرد ترديد ألفاظه، وإنما أن يباشر القلوب، ويوقظ الأرواح، ويقود النفوس إلى ربها.
وقد نزل القرآن ليكون حياةً للقلوب قبل أن يكون تلاوةً للألسنة، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ} [يونس: 57].
فإذا انقطع القلب عن القرآن قسا، وإذا اتصل به لان، وإذا أكثر من صحبته استنار، وإذا عاش في ظلاله استقام.
القرآن غذاء القلب وروحه
كما أن البدن لا يعيش بلا طعام وشراب، فكذلك القلب لا يحيا حياةً صحيحةً إلا بالوحي. ولهذا كان القرآن أعظم أسباب صلاح القلوب واستقامتها؛ لأنه يعرف العبد بربه، ويعرّفه بنفسه، ويكشف له حقيقة الدنيا والآخرة.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (ليس شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر).
فالقرآن هو الكتاب الذي يجمع للقلب أنواع الغذاء كلها: غذاء الإيمان، وغذاء اليقين، وغذاء المحبة، وغذاء الخوف والرجاء، وغذاء الصبر والثبات.
ولهذا كان السلف يجدون في القرآن من اللذة والأنس ما لا يجدونه في شيء سواه.
قال عثمان بن عفان رضي الله عنه:(لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام ربكم).
فالقلب إذا ذاق حلاوة القرآن لم يستغن عنه، وإذا عرف نوره لم يرض بالبعد عنه.
حقيقة الوصال بين القلب والقرآن
ليس الوصال مجرد كثرة القراءة، وإن كانت القراءة مطلوبة ومأجورًا عليها، وإنما الوصال الحقيقي أن يصبح القرآن حاضرًا في حياة العبد كلها.
يقرأه فيعرف أوامر الله فيمتثلها، ويقرأه فيرى نواهي الله فيجتنبها، ويقرأه فيتعرف على أسماء الله وصفاته فيزداد حبًا وتعظيمًا وخشية.
ويقرأه فيرى أخبار الأمم الماضية فيعتبر، ويقرأه فيجد وصف الجنة فيشتاق، ووصف النار فيخاف.
فإذا فعل ذلك صار القرآن قائدًا لقلبه، لا مجرد كتاب يمر على سمعه.
وقد وصف الله المؤمنين بهذا الوصال فقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2].
فالآيات تزيد الإيمان إذا وقعت على قلب حيّ متلقٍّ متأثر.
التدبر مفتاح الوصال
وأعظم ما يحقق الصلة بين القلب والقرآن هو التدبر. ولهذا عاتب الله المعرضين بقوله:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}[محمد: 24]، وقال سبحانه:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}[ص: 29] .
فالتدبر هو النظر في معاني الآيات، واستحضار رسائلها، وسؤال النفس عند كل أمر ونهي ووعد ووعيد.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقف عند الآية الواحدة يرددها ليلة كاملة، كما ثبت أنه قام بقول الله تعالى:{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[المائدة: 118].
وكان السلف ربما مكث أحدهم أيامًا أو أسابيع مع سورة واحدة؛ لا لأنهم لا يحفظون، ولكن لأنهم كانوا يريدون أن تعيش الآيات في قلوبهم قبل أن تجري على ألسنتهم.
من أسباب تحقيق الوصال
من أعظم الأسباب المعينة على وصل القلب بالقرآن:
أولاً: الإخلاص فالقرآن لا تنكشف أسراره لقلبٍ يطلب به الرياء أو السمعة. وإنما يفتح الله على من أقبل عليه يريد الهدى والشفاء.
قال تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2].
ثانياً: تطهير القلب من الذنوب فالذنوب حجب كثيفة تحول بين القلب وبين الانتفاع بالقرآن.
قال تعالى: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].
وكلما ازداد القلب توبةً واستغفارًا ازداد انفتاحًا على معاني القرآن وأنواره.
ثالثاً: المواظبة على التلاوة فالقرآن يحتاج إلى صحبة دائمة. أما القراءة الموسمية أو المتقطعة فلا تحقق الوصال المنشود.
وكان أحب العمل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أدومه وإن قَلَّ.
رابعاً: العمل بالقرآن فمن أعظم أسباب زيادة الفهم والانتفاع أن يترجم العبد ما يقرؤه إلى واقع عملي.
قال بعض السلف: (كنا نتعلم عشر آيات فلا نتجاوزها حتى نعلم ما فيها من العلم والعمل).
وكان الحسن البصري رحمه الله يقول:(إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار).
فالعلم يفتح أبوابًا من الفهم، والعمل يفتح أبوابًا من التوفيق.
من ثمرات الوصال بالقرآن
إذا تحقق الوصال بين القلب والقرآن ظهرت آثار ذلك في حياة العبد كلها.
فيجد الطمأنينة عند اضطراب الناس وقلقهم، ويجد نورًا عند الحيرة.
ويجد قوة وثباتا عند الفتن، ويجد سلوة عند المصائب، ويجد أنسًا عند الوحشة.
ولهذا قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97].
ومن أعظم أسباب هذه الحياة الطيبة صحبة القرآن وملازمته.
إن أعظم خسارة أن يبقى القرآن بعيدا عن حياتنا، ولا يصل إلى القلوب، وأن تتحرك به الألسنة دون أن تتحرك به الجوارح. وليس المطلوب من المسلم أن يكثر من ختمات القرآن فحسب، بل أن يجعل القرآن ربيع قلبه، ونور صدره، وقائد حياته.
فإذا أصبح القرآن جليس القلب، ومؤنس الروح، ومرشد الطريق، تحقق الوصال المنشود، ونال العبد من بركاته وهداياته ما لا يبلغه وصف، وكان من أهل الله وخاصته الذين شرفهم الله بحمل كتابه والعمل به.
نسأل الله أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيه عنا.