ظاهرة التكفير وتداعياتها في تغذية الغلو والإرهاب

02/11/2026| إسلام ويب

جاء الإسلام ليَحفظَ على النَّاس دينهم وأنفُسَهم ودِماءهم وأموالهم وأعراضهم، وهو ما يُعرَف بحفظ الضرورات الخمس، وقد جعل النطق بشهادة "أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" دليلاً قاطعاً على الدخول في الإسلام، وعاصماً يوجب الكف عن صاحبه وصيانة دمه وماله وعرضه، وفي هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وكَفَرَ بما يُعبَدُ مَن دونِ اللهِ، حَرُمَ مالُه ودَمُه، وحِسابُه على اللهِ) رواه مسلم. ومن هذا المنطلق، استقرت القواعد الشرعية عند علماء الأمة ـ سلفاً وخلفاً ـ على وجوب بناء الأحكام على الظواهر وتفويض السرائر إلى الله وحده، ويظهر هذا الأصل جلياً في الهدي النبوي، فقد كان صلى الله عليه وسلم يُجري الأحكام على ظاهرها في تعامله مع المنافقين، فيقبل علانيتهم ويَكِل بواطنهم إلى الله، وفي هذا يقول ابن تيمية: "فإنَّ الأمورَ الدُّنْيَوِيَّةَ تَجْرِي علَى الأحْكامِ الظَّاهِرَةِ"، وعلى هذا، فإنَّ التساهل في تكفير المسلم وإخراجه من الإسلام يُمثل خروجاً ظاهراً عن الصراط المستقيم، ومخالفة كبرى لمنهج أهل السُنة، وتناقضاً مع مقاصد الشريعة، ويكفي في الزجر العام عن هذا المسلك الخطير وعيد النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره الشديد: (إذا قال الرَّجُلُ لأخيه: يا كافِرُ، فقد باءَ به أحَدُهما) رواه البخاري.

دلالة حديث أسامة بن زيد على خطورة التكفير 

الحكم على إنسان بالكفر ليس بالأمر الهين، بل هو مسلك عظيم الخطورة، ولهذا احتاط الشرع احتياطاً شديداً في إطلاق الكفر على أحد من أهل القِبلة، فأوجب التبين التام، والتثبت اليقيني، في إطلاق الحكم بالكفر، سداً للذريعة وحتى لا يُتهم مسلم بكفر بمجرد الظن والهوى والشبهات، وتتجلى دقة هذا الأصل في السيرة النبوية بنماذج عملية حاسمة، يبرز منها ما رواه البخاري عن أسامة بْن زيد رضي الله عنه قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، قال: فصبَّحنا القوم فهزمناهم، قال: ولحقتُ أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، قال: فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، قال: فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لي: يا أسامة، أقتلْتَه بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذًا، قال: فقال: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: فمازال يُكرِّرها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) رواه البخاري، لقد أنكر عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلم قَتْلَه للرَّجُلِ إنكارا شديدا بعد أن شَهِد بالتوحيد، وفي رواية مسلم: قال أسامة: (قلتُ يا رسول الله: إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: أفلا شققتَ عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فمازال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ).
وقد تتابع أئمة العلم على استنباط المعاني الفقهية والعقدية من هذه الحادثة، حيث نص الإمام الخطابي على فقه هذا الحديث بقوله: "فيه من الفقه أنَّ الكافر إذا تكلَّم بالشهادة وإن لم يصف الإيمان وَجَبَ الكَفُّ عنه والوقوف عن قتله سواء أكان بعد القدرة أم قبلها". وعمق النووي الفهم التربوي والعقدي فقال: "وقول أسامة: (حتى تمنيت أني أسلمتُ يومئذ) معناه: لم يكن تقدم إسلامي بل ابتدأت الآن الإسلام ليمحو عني ما تقدم، وقال هذا الكلام من عِظم ما وقع فيه". 

أهل السُنة والحذر من التكفير 

وتأسيساً على ذلك الاحتياط الشديد، فإن الجرأة على تكفير المسلم أو رميه بالشرك والفسوق خطب عظيم، يوجب التأنّي البالغ، وحسن الظن، والبحث عن المحامل الحسنة، ولهذا كان من منهج أهل السُنة الحذر الشديد من تكفير المسلمين، وأن من وقع في المكفّرات قولاً أو فعلاً، لا يُحْكَم بكفره عَيْناً حتى تقام عليه الحُجة وتزول عنه عوارض الأهلية؛ كالجهل، والخطأ، والتأويل السائغ، والإكراه.. ومرد ذلك إلى أن تكفير المُطْلَق لا يستلزم تكفير المعيّن إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع، كما قعّد ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" ذلك بقوله: "التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المُعيَّن، وأن تكفير المُطْلَق لا يستلزم تكفير المُعَيَّن إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع". وفي ذات السياق، يؤكد في "الصارم المسلول" هذا الورع المنهجي بقوله: "فإنَّ التَّكْفِيرَ عَقُوبَةٌ شَرْعِيَّةٌ، لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ".
فالكفر حكم شرعي محض، مردّه وقضاؤه إلى الله تعالى ثم إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو يثبت بمقتضى نصوص الشرع لا بأقوال الناس وأهوائهم يقول ابن القيم رحمه الله في "نونيته":
الكفر حق الله ثم رسوله                بالشرع يثبت لا بقول فلان
من كان ربّ العالمين وعبده    قد كفّراه فذاك ذو الكفران
ولعظم هذا المزلق الخطير، أطلق علماء الأمة صيحات التحذير؛ حيث قال الشوكاني في كتابه "السيل الجرار": "اعْلَمْ أَنَّ الحُكْمَ عَلَى الرَّجُلِ المُسْلِمِ بِخُرُوجِهِ مِنْ دِينِ الإِسْلَامِ وَدُخُولِهِ فِي الكُفْرِ لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إِلَّا بِبُرْهَانٍ أَوْضَحَ مِنْ شَمْسِ النَّهَارِ".

مَنْ قال لأخيه يا كافِر، فقَدْ باءَ بها أحَدُهُما

لا تقف خطورة التجرؤ على التكفير والتفسيق عند حد استباحة الدماء المعصومة والأعراض المصونة فحسب، بل إنها تتعدى ذلك إلى عاقبة وخيمة يرتد فيها هذا الحكم الجائر على صاحبه وقائله إن لم يكن المشكو في حقه أهلاً لذلك. وقد تظاهرت النصوص النبوية بالتحذير البالغ والنهي القاطع عن أن يرمي الرجل أخاه ويتهمه بالفسق أو الكفر، مخبرة أن مَن فعل ذلك ولم يكن صاحبُه كذلك، رجعت تلك الكلمة وارتدت على قائلها، بحيث يؤول به الأمر إلى أن يصير هو الفاسق أو الكافر، لعِظَم عاقبة الحكم بتكفير الغير وجسامة أثره في الدنيا والآخرة.
ومن الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا الباب، ما رواه البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بالفُسُوق، ولا يَرْمِيه بالكُفْر، إلَّا ارْتَدَّتْ عليه إنْ لَمْ يَكُنْ صاحِبُه كَذلك)، وما رواه كذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَيُّما رَجُلٍ قال لأخِيه: يا كافِر، فقَدْ باءَ بها أحَدُهُما).
وقد تتابع شُرَّاح الحديث على بيان هذا المعنى الهام، حيث ذكر الكرماني في "الكواكب الدراري" أن قوله صلى الله عليه وسلم (ولا يرمي) يعني لا ينسبه إلى الفِسْق أو الكفر إلا ارتدت تلك الرمية عليه بأن يصير هو فاسقاً بذلك أو كافراً بسببه.. وفي ذات السياق، يؤكد ابن هبيرة في "الإفصاح عن معاني الصحاح" بقوله: "في الحديث شدة الحظر على مَنْ رَمَى أخاه المسلم بالكفر، فإنه بهذا الحديث على يقين مِن ارتدادها إليه إن لم يكن أخوه كما ادَّعاه. فليحذر أن يقولها أبدًا لمن هو مِنْ أمره في شك، وكذلك أن يرميه بالفسق فإنه على سبيله في ارتداده عليه إن لم يكن كما ذكره بيقين".
وهو المعنى الذي جلّاه الكشميري في "فيض الباري" بقوله: ""والذي تبين لي أن الكلمةَ إذا خرجت مِنَ الفم لا تزال تطلب محلًا لوقوعها، فإِما أنْ تذهب إلى مَنْ قيل لها، إنْ كان مستحقًا لها، أو ترجع إلى صاحبها إن لم يكن كذلك".
وفي هذه النصوص وما شابهها دلالة واضحة وبرهاناً ساطعاً على شدة الحظر والمنع والتحريم المُغلظ على رمي واتهام المسلم بالكفر، مما يوجب على المرء الحذر الشديد من هذا المزلق، وهو ما يكشف في المحصلة عن الأثر الشديد للوقوع في التكفير على دين العبد وإيمانه أولاً، قبل أن يمتد خطره لتقويض بنيان المجتمع وتفكيك لحمته الأمة واستقراره..

وخلاصة القول: إن تكفير المسلم مزلق خطير ضلَّ فيه البعض، والإقدام عليه أمرٌ جَلل يوجب التأنّي الشديد، والتماس العذر، وحُسن الظن بأهل القِبلة، وعلى هذا سار منهج أهل السُنة في الحذر من هذا الباب؛ فالمسلم قد يقع في قول أو فعل "مُكفِّر" ولا يُحْكَم بكفره لجهله، أو خطئه، أو تأوله، أو إكراهه، وحتى تقام عليه الحجة وتزول الشبهة، وفي هذا قال ابن تيمية: "التكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المُعيَّن، وأن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعيّن إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع"، ويؤكد ذلك ابن عثيمين بقوله: "الحكم بالتكفير والتفسيق ليس إلينا بل إلى الله ورسوله، فيجب التثبت فيه غاية التثبت".
ولا يخفى ما للتسرع في هذا المسلك من عواقب وخيمة تُهدد الفرد في دينه، وتُقوّض أمن المجتمع وتماسكه، وإن كانت الغيرة على الدين هي المحرك أحياناً للوقوع في التكفير، فإن العاطفةً المجردةً عن العلم هي عين الخطورة، ويكفي في الزجر عن ذلك وعيد النبي صلى الله عليه وسلم وتحذيره الشديد: (أَيُّما امْرِئٍ قالَ لأَخيه: يا كافِرُ، فقَدْ باءَ بها أحَدُهُما، إنْ كان كما قال، وإلَّا رَجَعَتْ عليه) رواه مسلم.
 

www.islamweb.net