الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما حدث بَيْن أبي بكرٍ الصِدِّيق وفِنْحَاص اليهودي

ما حدث بَيْن أبي بكرٍ الصِدِّيق وفِنْحَاص اليهودي

ما حدث بَيْن أبي بكرٍ الصِدِّيق وفِنْحَاص اليهودي

لما بعث الله عز وجل رسوله ونبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، غضبت اليهود وطارت عقولهم من الكِبْر والحسد، إذ كيف لا تكون النبوة فيهم؟ فأجمعوا أمرهم وقرروا أن لا يؤمنوا بهذا النبي العربي، وناصبوه العداء، على الرغم من قيام الحجج والبراهين الساطعة على صدقه، ومعرفتهم علامات وصفات نبي آخر الزمان والتي وجدوها فيه، والموجودة في الكتب السابقة قبل تحريفها. قال ابن تيمية: "قد رأيتُ أنا من نسخ الزبور ما فيه تصريح بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم باسمه، ورأيت نسخة أخرى بالزبور فلم أر ذلك فيها، وحينئذ فلا يمتنع أن يكون في بعض النسخ من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس في أخرى". وقال: "والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد صلى الله عليه وسلم عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم".

عن سلمة بن سلامة بن وقش رضي الله عنه قال: (كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، فوقف على مجلس بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث (أصغر) مَنْ فيه سِنّاً، عليَّ بردة (نوع من الثياب معروف) مضطجعاً فيها بفناء (مكان متسع أمام بيت) أهلي، فذكر البعث والقيامة، والحساب والميزان، والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك، أصحاب أوثان لا يرون أن بعْثاً كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائناً، أن الناس يُبعثون بعد موتهم إلى دارٍ فيها جنة ونار، يُجْزَوْن فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يُحلف به، لودَّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه، ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه، وأن ينجو من تلك النار غدا، قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ قال: نبي، ويُبعَث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليَّ وأنا من أحدثهم سِنّا، فقال: إن يستنفد (يذهب وينتهي) هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغياً وحسدا) رواه أحمد.
وكان من أشد اليهود عداوة وبُغضاً للنبي صلى الله عليه وسلم: حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر، وسلام بن مشكم، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، وفِنْحاص، قال ابن حجر في "فتح الباري" بعد أن سرد عدداً من رؤساء اليهود، ومن بينهم: فِنْحاص ـ وهو أحد أحبارهم ـ: "فهؤلاء لم يثبت إسلام أحد منهم".

ما دار بَيْن أبي بكرٍ وفِنْحَاصٍ اليهودي :

بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة واستقراره بها، ثار بين بعض المسلمين واليهود في مواقف متعددة كلام وحوار، ظهر من خلاله أباطيل اليهود وجرأتهم وسؤ أدبهم مع الله عز وجل، ومع رسله وأنبيائه، وكان لبعض هؤلاء اليهود مواقف وعبارات نزل بسببها آيات قرآنية. ومن هذه المواقف التي وقعت بين المسلمين واليهود ونزل فيه آيات قرآنية: موقف حدث بين أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأحد أحبار اليهود اسمه: فِنْحَاص. وقد ذكر هذا الموقف ابن هشام في السيرة النبوية، وابن سيد الناس في "عيون الأثر"، وابن حجر في فتح الباري، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار"، وغيرهم، وفيه :
"عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: (دخل أبو بكر الصديق بيت الْمِدْرَاسِ (مكان تتلى وتتعلم فيه التوراة), فوجد من يهود أناساً كثيراً قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص, وكان من علمائهم وأحبارهم, ومعه حبر يقال له: أشيع، فقال أبو بكر: ويحك يا فنحاص, اتق الله وأسلم, فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله, قد جاءكم بالحق من عنده, تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل, فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر, وإنه إلينا لفقير! وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا! وإنا عنه لأغنياء, ولو كان عنّا غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم (النبي صلى الله عليه وسلم)! ينهاكم عن الربا ويعطيناه! ولو كان عنا غنيا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر, فضرب وجه فنحاص ضرباً شديداً وقال: والذي نفسي بيده، لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربْتُ عنقك يا عدو الله, فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين, فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد, أبصر ما صنع بي صاحبك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله, إن عدو الله قد قال قولا عظيماً, زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء! فلما قال ذلك غضبتُ لله مما قال, فضربتُ وجهه, فجحد (أنكر) ذلك فنحاص وقال: ما قلتُ ذلك, فأنزل الله فيما قال فنحاص ردّاً وتصديقاً لأبي بكر: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}(آل عمران: 181: 182)".

قول فنحاص اليهودي: (ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم) يريد قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}(البقرة:245). وقد ذكر غير واحد من المفسرين، منهم الطبري وابن كثير والبغوي والواحدي، ما دار بين أبي بكر رضي الله عنه وفنحاص اليهودي في سبب نزول قول الله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}(آل عمران: 181)). وقال الطبري: "قال أبو جعفر: فتأويل الآية إذاً: لقد سمع الله قول الذين قالوا من اليهود: إن الله فقير إلينا ونحن أغنياء عنه، سنكتب ما قالوا من الإفك والفِرْية على ربهم، وقتلهم أنبياءهم بغير حق". ومما عُرِف عن أبي بكر رضي الله عنه أنه كان رقيق القلب غزير الدمع، لين الطبع حليما، ولكنه مع ذلك غضب غضباً شديداً لمَّا أساء فنحاص الأدب مع الله عز وجل، وما كان غضبه رضي الله عنه إلا غيرة لله تعالى.

لقد بلغ من ظلم اليهود وعتوهم، وشرهم وسؤ أدبهم، أنه لم يَسْلم أحدٌ من إيذائهم وافترائهم، حتى ذات الله عز وجل، وقد ذكر القرآن الكريم بعض ما وصفوا به ربهم مما لا يليق به وبجلاله وكماله، ومن ذلك قولهم: يد الله مغلولة، قال الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}(المائدة: 64)، وقولهم على لسان أحد أحبارهم وعلمائهم فِنْحاص: إن الله فقير ونحن أغنياء، والذي يظهر منه استخفافهم بالإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم، ومحاولة تشكيك المسلمين في دينهم، كما يظهر منه كذلك: سوء أدبهم مع الله عز وجل، ووصفه بما لا يليق بذاته سبحانه، فهذه المقالة الشنيعة: "إن الله فقير ونحن أغنياء" ذكرها الله عز وجل في كتابه الكريم عن اليهود، وأخبر سبحانه أنه سمعها منهم، وأنه سيكتبها عليهم ويحفظها لهم، وفي ذلك تهديد ووعيد من الله عز وجل لهم، مع أفعال أخرى شنيعة عرفت عنهم، واشتهروا بها، ومنها قتلهم الأنبياء والرسل، ومن ثم فإنه سبحانه سيجازيهم على ذلك بالعذاب الأليم، قال الله تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}(آل عمران: 181: 182).

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة