جمعت السيرة النبوية حياة النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته ومواقفه، والتي من خلالها استنبط العلماء الأحكام والدروس والعِبر التي انتفع بها المسلمون على مر التاريخ والعصور..
ومن هذه المواقف ما رواه البخاري ومسلم عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: (كنتُ مع نبي الله صلى الله عليه وسلم في مسير له، فأدْلجنا ليلتنا (سرنا بالليل) حتى إذا كان في وجه الصبح عَرَّسْنَا (نزلنا آخر الليل للراحة) فغلبتنا أعيننا حتى بزغت (طلعت) الشمس (كِناية عن خُروجِ وقتِ صلاة الصُّبح)، قال: فكان أول من استيقظ منا أبو بكر، وكنا لا نوقظ نبي الله صلى الله عليه وسلم من منامه إذا نام حتى يستيقظ (خشُيَةَ أنْ يكون قد يوحى إليه في منامه)، ثم استيقظ عمر فقام عند نبي الله صلى الله عليه وسلم فجعل يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رفع رأسه ورأى الشمس قد بزغت قال: ارتحِلوا، فسار بنا حتى إذا ابيضت الشمس نزل فصلى بنا الغداة، فاعتزل رجل من القوم لم يُصَل معنا، فلما انصرف قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا فلان ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: يا نبي الله أصابتني جنابة، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فتيمم بالصعيد (التيمم) فصلى، ثم عَجَّلَنِي في رَكْب بين يديه نطلب الماء وقد عطشنا عطشا شديدًا، فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها (مُدلية رجليها) بين مزادتين (قِرْبتين كبيرتين) فقلنا لها أين الماء؟ قالتْ: إنَّه لا مَاء، فَقُلْنَا: كَمْ بيْن أهْلِكِ وبيْنَ المَاء؟ قالَتْ: يَوْمٌ ولَيْلَة، فَقُلْنا: انْطَلِقِي إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قالت: وما رسولُ اللَّه (مُتعجِّبةً أو مُنكِرة)؟ فلم نُملِّكْها مِن أمرها شيئًا (أخَذْناها قَهرًا، لأنَّها كانت حَرْبيَّة، أو للضَّرورة، ولم نَلتَفِتْ إلى كلامها) حتى انطلقنا بها، فاستقبلنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها فأخبرته مثل الذي أخبرتنا، وأخبرته أنها مُوْتِمةٌ (ذات أيتام) لها صبيان أيتام، فأمَرَ برَاوِيَتِهَا فَأُنِيخَتْ فَمَجَّ (طرح مِن فمه ماء فيهما)، ثُمَّ بَعَثَ برَاوِيَتِهَا، فَشَرِبْنَا وَنَحْنُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا عِطَاشٌ حتَّى رَوِينَا وملأنا كل قِرْبَةٍ معنا وإِدَاوَةٍ، وَغَسَّلْنَا صَاحبنا (أعطينا صاحبنا الجُنب ما يغتسل به) غير أنا لم نسق بعيرًا (لأنَّ الإبلَ تَصبِر على الماء)، وهي تكاد تَنْضَرِجُ (تنشق) من الماء (يعني المزادتين) ثم قال: هاتوا ما كان عندكم، فجمعنا لها من كِسَر وتمر وصرَّ لها صُرة فقال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالك واعلمي أنا لم نرزأ من مائك (لم ننقص من مائك شيئاً)، فلما أتت أهلها قالت لهم: لَقيتُ أسحَرَ النَّاسِ، أو هو نَبيٌّ كما زَعَموا، فهَدى اللهُ ذاك الصِّرْمَ (أبيات مجتمعة يَنزِلون بأهْليهم على الماء) بتلك المَرأة، فأسلَمَتْ وأسْلَموا). وفي هذا الموقف النبوي الكثير من الفوائد والعِبر، ومنها:
ـ عَظيمُ أدَبِ الصَّحابة رَضي الله عنهم معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلّم، ورِعايتُهم لحُرمَتِه.. وفضل هذه المَرأةِ الَّتي أسلَمَتْ وأسلَمَ بسَببِها النَّفرُ مِن أهْلِها.. وفيه: مُعجِزةٌ مِن مُعجِزاتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ودليلا من دلائل نُبوَّتِه، بحصول البركةُ في الماءِ القليلِ حتى كفى الكثير كما قال عمران بن الحصين رضي الله عنه: (فشربنا ونحن أربعون رَجُلاً عِطَاشٌ حتى رَوِينَا، وملأنا كل قِرْبَةٍ معنا وَإِدَاوَةٍ، وَغَسَّلْنَا صَاحبنا). قال النووي: "وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة من أعلام النبوة".
ـ من الخصائص التي اختص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم في أمته أن جعل لها الأرض مسجدا وطهورا، فأيما مسلم أدركته الصلاة، فلم يجد ماء ولا مسجداً، فعنده طهوره ومسجده، بخلاف الأمم السابقة، قال الله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} (النساء:43). وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعطيتُ خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعِثْتُ إلى الناس عامة) رواه البخاري.
ـ رحمة النبي صلى الله عليه وسلم باليتامى، ولم تكن رحمته صلى الله عليه وسلم بالأيتام مقصورة على يتامى أهله وقبيلته أو يتامى المسلمين، بل تعدتهم إلى أيتام غير المسلمين، إذ لما علم من هذه المرأة أن لها يتامى تقوم عليهم قال: (هاتوا ما كان عندكم، فجمعنا لها من كسر وتمر، وصرّ لها صرة فقال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالك).
ـ سؤال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل قبل المعاتبة فيه الحث على الاستفسار قبل العتاب والأمر والنهي. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يُبادر هذا الصحابي بالعتاب أو التعنيف، بل سأله واستفسر منه وقال له: (يا فلان ما منعك أن تصلي معنا؟ قال: يا نبي الله أصابتني جنابة، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فتيمم بالصعيد فصلى)، وهذا دليل على رفقه وحكمته صلى الله عليه وسلم.
ـ الصعيد الطيب ـ وجه الأرض ذات التراب والغبار ـ وضوء المسلم وطهوره ما لم يجد الماء لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) رواه النسائي. ولأمره صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف للصحابي الذي لم يصل لكونه جنباً وليس معهم ماء بأن يتيمم بالصعيد: (فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فتيمم بالصعيد فصلى). وفي ذلك يُسْر الشريعة الاسلامية حيث جاز لِمَن فقد الماء أن يتيمم ويصلي حتى يجد الماء. قال ابن حجر: "وفي هذه القصة مشروعية تيمم الجنب، وفيها جواز الاجتهاد بحضرة النبي صلى اللَّه عليه وسلم، لأن سياق القصة يدل على أن التيمم كان معلوما عندهم.. ويؤخذ من هذه القصة أن للعالم إذا رأى محتملا أن يسأل فاعله عن الحال فيه ليوضح له وجه الصواب، وفيه التحريض على الصلاة في الجماعة، وفيه حسن الملاطفة، والرّفق في الإنكار".
ـ نوم النبي صلى الله عليه وسلم حتى فاتته صلاة الصبح قبل طلوع الشمس فيه فائدة تشريعية، وقد أخذ منه العلماء وجوب قضاء الصلاة إذا فاتت المرء بنوم أو نسيان، مما لا قِبل له بدفعه، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن نسِيَ صلاةً فليُصَلِّ إذا ذكَرها، لا كفارة لها إلا ذلك: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}(طه:14). ومن المعلوم أنه قد حصل للنبي صلى الله عليه وسلم السهو فى اليقظة في الصلاة حينما سلم بعد ركعتين في صلاة الظهر، وفي القومِ رجلٌ كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعوه ذا اليديْن، فقال: (يا نبيَّ الله، أنسيتَ أم قصُرتْ؟ فقال: لم أنسَ ولم تقصرْ، قالوا: بل نسيتَ يا رسول الله، قال: صدق ذا اليديْن) رواه البخاري. فإذا كان هذا في اليقظة لأجل تشريع أحكام السهو في الصلاة، ففي النوم مِن باب أوْلى. ويؤيد ذلك ما جاء فى رواية أبى قتادة رضى الله عنه قال: (فجعل بعضنا يهمس إلى بعض! ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثم قال: أما لكم فِيَّ أُسوَة؟ ثم قال: أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة، حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها) رواه مسلم. قال ابن حجر: "وحكمة ذلك بيان التشريع بالفعل لأنه أوقع في النفس كما في سهوه في الصلاة، قال (النووي): وقريب من هذا جواب ابن المنير بأن السهو قد يحصل له في اليقظة لمصلحة التشريع، ففي النوم أوْلى أوْ على السواء".
السيرة النبوية تحمل في طياتها الكثير والكثير من المواقف والأحداث الجديرة بالوقوف معها للاستفادة من فوائدها ودروسها وعِبرها، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21).
المقالات

