الماوردي: هو أبو الحسن علي بن محمد البصري الماوردي الشافعي، ولد في البصرة عام (364 هـ) وتوفي في بغداد عام (450 هـ). لقب بالماوردي نسبة لعمل الماء والورد وبيعه، ولم تذكر لنا كتب التراجم شيئًا من أخباره أو أخبار أسرته، ولم تكن له رحلات في طلب العلم إلا من البصرة إلى بغداد، وفيهما تعلم علوم الشريعة من فقه وحديث، وتفسير وقراءات، ولغة وغيرها، وكان أن برع في مذهب الشافعي حتى عدَّ من كبار رجالات المذهب، وتقلد منصب قاضي قضاة الشافعية وناهيك به منصب، فاطلع خلال ذلك على حال الدولة وما اعتراها من تسلط البويهيين على الخلافة في بغداد ثم السلاجقة.
للماوردي العديد من المؤلفات من أبرزها: مؤلفان في المذهب الشافعي هما الحاوي في فروع المذهب، والإقناع مختصر الحاوي، إضافة إلى كتابه الشهير: الأحكام السلطانية، وقوانين الوزارة وسياسة الملك، وأمثال القرآن، وغيرها من المؤلفات، وكان من مؤلفاته: تفسيره الذي سماه: النكت والعيون، طبع حديثًا عدة طبعات محققة، وكان العز بن عبد السلام قد اختصره في مجلدين أيضًا.
تنوعت المصادر التي اعتمد عليها الماوردي في كتابة تفسيره للقرآن، وكان من أبرز تلك المصادر: كتب التفسير قبله، كتفسير الطبري، وابن أبي حاتم، والنقاش، والفراء، والزجاج وغيرهم، وما تزال تفاسير بعض هؤلاء مخطوطة حتى الآن، إضافة إلى كتب الحديث التي اعتمد عليها؛ إلا أنه لم يكن يعزو الأحاديث لأصحابها، ولا يذكر أسانيد تلك الأحاديث، وقد تنوعت درجة الأحاديث التي كان يستدل بها في تفسيره بين حديث صحيح أو حسن أحيانًا، أو حديث ضعيف، أو واهٍ وموضوع أحيانًا أخرى.
إضافة إلى كتب اللغة والنحو، فقد اهتم الماوردي في تفسيره بهذا الجانب فعمل على بيان أصل الكلمة واشتقاقها، ونقل عن أئمة اللغة في ذلك، واستشهد كثيرًا بأشعار العرب حتى بلغ ما ذكره من شعر في تفسيره أكثر من ألفي بيت، وبلغ عدد الشعراء الذين ذكرهم في تفسيره أكثر من ثمانين .
جمع الماوردي في تفسيره بين التفسير بالرواية المأثور، والتفسير بالدراية المعقول، إلا أن التفسير بالرواية قد غلب على تفسيره، وفيما يأتي شواهد على كلا المنهجين الذين سلكهما الماوردي في تفسيره:
أولًا التفسير بالرواية:
• تفسير القرآن بالقرآن: رغم أن تفسير الماوردي قد غلب عليه التفسير بالمأثور، وأول ذلك تفسير القرآن بالقرآن؛ إلا أنه لم يكثر من هذا القسم في تفسيره، وإنما كان أكثر ما فسر به الآيات: الأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين، وربما يصدق على ما فسّر به القرآن بالقرآن أنه استشهد به على ما اختاره من تفسير للآية؛ وذلك يجعله أقرب للتفسير بالدراية أكثر منه تفسيرًا بالرواية، لا سيما وأنه قال مقدمة تفسيره: "وجعلته جامعًا بين أقاويل السلف والخلف"، ومن ذلك أنه عند تفسيره قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} [النساء: 42] قال في معنى تسوى بهم الأرض أي أن يجعلهم الله مثلها، ثم استدل على ذلك بقوله تعالى: {وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} [النبأ: 40].
• التفسير بالسنة: زاد عدد الأحاديث التي فسر بها الماوردي الآيات على خمسمائة حديث، اختلفت في درجتها كما سبق ذكره، وكذا اختلفت في كونها نصَّاً مباشرًا في التفسير، أو يصلح التفسير بها أم لم تكن نصَّاً، مثال ذلك: أن الماوردي قد فسَّر قوله تعالى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] بما ورد من حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن عدي بن حاتم سأله عن تفسير هذه الآية فقال عن المغضوب عليهم: «هُمُ اليَهُود»، وعن الضالين فقال: «هُمُ النَّصارى» رواه الترمذي. ومن ذلك تفسيره القوة في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [الأنفال: 60] بما روى عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «{وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قوة} أَلاَ إِنَّ القُوةَ الرميُ» قالها ثلاثًا، رواه مسلم.
• التفسير بأقوال الصحابة: أكثر الماوردي من الاستدلال بأقوال الصحابة على تفسير الآيات، وكان أكثر الذين ذكر أقوالهم عبد الله ابن عباس، وابن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، ومن ذلك أنه فسر العالمين في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] بقول ابن عباس: أنه ما يعقل من الملائكة والإنس والجن. وقال في تفسير قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]: بأنه نفقة الرجل على أهله، قال وهذا قول ابن مسعود، ثم إن الماوردي ذكر أقوال بعض الصحابة الاخرين كأبي بكر وعمر، وأبي هريرة وعائشة وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.
• التفسير بأقوال التابعين: فسَّر الماوردي بعض الآيات بما ورد عن بعض التابعين رحمهم الله تعالى، ومن ذلك تفسيره الصفراء في قوله تعالى: {بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} [البقرة: 69]، بقول سعيد بن جبير: بأنها صفراء القرن والظلف، وبقول مجاهد بأنها صفراء اللون كله. ومن ذلك ذكره عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11] عن مجاهد من أنهم أرادوا أن ممالاة الكفار صلح وهدى، وليست بفساد.
المقالات

