الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وأعرض عن الجاهلين

وأعرض عن الجاهلين

وأعرض عن الجاهلين

كان من أعظم مقاصد بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إتمام مكارم الأخلاق، والدعوة إلى محاسنها، وترسيخ مفاهيمها وقواعدها، وتربية الناس عليها، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)رواه أحمد.
وحسن الخلق يزين الإنسان، ويثقل الميزان، ويزيد الإيمان.. قال عليه الصلاة والسلام: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)(رواه أبو داود بسند صحيح).

والدعوة إلى حسن الخلق تملأ القرآن الكريم، وأحاديث النبي المصطفى الأمين، ومن أجمع آيات القرآن في باب الخلق آية جمعت على قصرها وقلة كلامها أصول الأخلاق، وأخذت بنواصي مكارمها، وهي من أكمل الآيات في باب معاملة الخلق، وهي قوله تبارك وتعالى لنبيه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}(الأعراف:199).
فهذه ثلاثة أوامر جمعت أمهات الفضائل والأخلاق. فإذا عاملك الناس فخذ العفو، وإذا عاملت الناس فأمر بالعرف، وإذا آذاك الناس وأساءوا إليك وجهلوا عليك فأعرض عن الجاهلين.

خذ العفو:
وقد ذكر بعض المفسرين أن معنى قوله: {خذ العفو} يعني خذ منهم ما تبرعوا به، وسمحت به نفوسهم من عفو أموالهم وفضله ومما زاد عن حوائجهم فتبرعوا به لخدمة الدين ونصرة الحق وإعانة المحتاج، ولا تكلفهم أو تطلب منهم أكثر مما تجود به نفوسهم..
وقد نقل مثل هذا ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في معنى الآية: "يعني: خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه. وكان هذا قبل أن تنزل "براءة" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت إليه الصدقات. أي قبل نزول تفاصيل الزكاة ومقاديرها فكأنها نسخت بها.

وذهب قوم إلى أنها آية نزلت في أخلاق الناس وتعاملاتهم وليست بمنسوخة، وهو الذي صوبه الكثيرون ومنهم ابن جرير ونقله عن بعض الصحابة:
قال عبد الله بن الزبير: "ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس". رواه البخاري.
وقال جعفر الصادق: أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية.
وعليه فمعنى {خذ العفو}: أي من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسس ولا تجسس، مع قبول الاعتذار والمسامحة والمساهلة، وترك التنقيب والتدقيق.

بين الفضل والعدل:
وأيضا خذ العفو فتعامل معهم بالفضل لا بالعدل، وقدم المسامحة والعفو على المقاصصة والعدل والانتصاف والانتصار لنفسك.

هذا لأن معاملة الناس لا تخرج عن أمرين: إما أن تكون بالعدل والميزان، وإما أن تكون بالعفو والإحسان.. كذا قرر القرآن.. فبين سبحانه أن من ظلم فمن حقه أن ينتصر لنفسه ويرد الظلم بمثله دون زيادة وعدوان، ولكنه ندبه إلى التفضل بالعفو والمسامحة فإنه أفضل له وأعظم لثوابه وأكرم لخُلُقه.
وهذا كثير في كتاب الله فمن ذلك:
قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}.. هذا عدل، وقوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}.. هذا فضل.
وقوله: {وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ}[الشورى:40].. هذا عدل. وقوله: {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}[الشورى:43].. هذا فضل.
وقوله: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}[المائدة:25].. هذا عدل.. وقوله: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ}.. هذا فضل.
وقوله: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ}.. هذا فضل، وقوله: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}[النحل:126].. هذا فضل. والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحسن الناس خلقا، وأيسرهم معاملة، وأعفى الناس عن الناس، وأكثرهم بعدا عن الانتصار لنفسه.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كُنْتُ أَمْشِي مع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعليه بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فأدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عَاتِقِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أَثَّرَتْ به حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِن شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قالَ: مُرْ لي مِن مَالِ اللَّهِ الذي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ له بعَطَاءٍ)[رواه البخاري].

وقال عليه الصلاة والسلام: (رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) [البخاري].
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم يبعثني معنِّتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً مُيسراً) رواه مسلم.
وصدق الله إذ يقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ}[آل عمران:159].

وأمر بالعرف:
والعرف هو المعروف، شرعا وطبعا وعقلا، مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال والخصال، أي أمرهم بكل طيب جميل، ورائق مستحسن، وبكل قول حسن وفعل وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك، إما تعليم علم، أو حث على خير، من صلة رحم، أو بِرِّ والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو رأي مصيب، أو معاونة على بر وتقوى، أو زجر عن قبيح، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ناصحا لأمته فكان يأمرهم بالإحسان، ويأمرهم بالإيمان، ويأمرهم بالإسلام، وكان حريصا عليهم أشد الحرص ألا يدخلوا النيران، فقال وهو يحدث عن حاله معهم: (مثلي ومثلُكم كمثلِ رجلٍ أوقدَ نارًا، فجعل الفراشُ، والجنادِبُ يقعْنَ فيها، وهو يذُبُّهُنَّ عنها، وأنا آخُذُ بحُجْزِكُمْ عنِ النارِ، وأنتم تفْلِتونَ مِنْ يَدَيْ) (رواه مسلم).
ولذلك قال الله تعالى عنه { لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍ}[آل عمران:164]. وقال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[التوبة:128].

وأعرض عن الجاهلين:
لما كان في الناس عاقل وجاهل، وحليم وسفيه، فربما جاءك بعض من فيه سوء خلق وجهالة في عقله، وفي طبعه، وسفاهة في فعله، وحماقة في تصرفه، فربما أساء أحدهم إليك، أو تسافه بعضهم عليك، أو استهزأ بعضهم بك فلا تقابل السفاهة بمثلها، ولا الإساءة بأختها، وإنما هؤلاء جهال فأعرض عن الجاهلين، كما قال الشافعي:
يخاطبني السفيه بكل قبح .. فأرفض أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما .. .. كعود زاده الإحراق طيبا

فإذا خاطبك الجاهلون فقل سلاما؛ فإن هذا هو فعل عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}[الفرقان:63],

وروي أن رجلا قال لأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: "والله لأسبنك سبًّا يدخل معك قبرك". فقال أبو بكر: "بل يدخل معك لا معي".
وقال رجل للأحنف أو لعمرو بن العاص: "لئن قلت لي كلمة لأردن عليك عشرا، فقال: ولكنك لو قلت لي عشرا لم أرد عليك واحدة".

ثم إن السفهاء يعجبهم سفههم، ويتمنون لو أن الناس بادلوهم ذلك، فإنه يشفي غليلهم ويبرد نار عداوتهم وحقدهم، فإذا تجاهلتهم قتلتهم غما وكمدا
إذا نطق السفيه فلا تجبه .. .. فخير من إجابته السكوت
فإن كلمـته فرجــت عنه .. .. وإن خـليــته كمــدا يموت
فسبحان من جمع في كلامه روائع البيان، وبدائع الأحكام، وفضائل الأخلاق والأعمال:
{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة