المؤمن الحق يَغار، والنبي صلى الله عليه وسلم أغْيَر منه، والله عز وجل أغير مِنْ نبيه صلى الله عليه وسلم.. والغَيْرَة مشتقة مِنْ تغير القلب، وهيجان الغضب، وكراهة شركة الغير في حق الإنسان.. وهذه الغيرة شُرِعَت لحفظ البيوت والأُسَر، والأعراض والأنساب. قال ابن حجر في "فتح الباري": "الْغَيْرَة: بِفَتْحِ الْمُعْجَمَة وَسُكُون التَّحْتَانِيَّة بَعْدها رَاء، قال عِيَاض وغيره: هِيَ مُشْتَقَّة مِنْ تَغَيُّر الْقَلْب وَهيَجَان الْغَضَب بِسَبَبِ الْمُشَارَكة فيما بِه الِاخْتِصاص، وَأَشَدّ مَا يكون ذلك بَيْن الزَّوْجَيْنِ. هذا فِي حَقّ الْآدَمِيّ". وقال النووي: "قال العلماء: الغَيْرة بفتح الغين، وأصلها المنع، والرجل غيور على أهله، أي: يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر، أو حديث، أو غيره". وقال: "الغَيرة، بفتح الغين المعجمة، وهي في اللغة تغير يحصل مِنَ الحمية والأنَفة، وأصلها في الزوجين والأهلين". وقال الطيبي: "الغيرة هي الحمية والأنفة، يقال: غِرْتُ على أهلي، أغار غيرة، فأنا غائر. وغيور للمبالغة".
والغَيْرة التي تليق بالمخلوق خُلق طيب جُبِل عليه الإنسان السوي الذي كرّمه ربُّه وفضله، وهي في موطنها والاعتدال فيها بالنسبة للرجال والنساء مِنَ الخصال المحمودة. قال ابن حزم: "الغيرة خُلُق فاضل مُتَرَكب مِنَ النجدة والعدل، لأن مَنْ عدل كره أن يتعدى إلى حُرْمَةِ غيره، وأن يتعدى غيره إلى حُرْمَتِه". وقال ابن القيم في "روضة المحبين": "وغيرة العبد على محبوبه نوعان: غيرة ممدوحة يحبها الله، وغيرة مذمومة يكرهها الله، فالتي يحبها الله: أن يغار عند قيام الرِّيبة (الغيرة في ريبة أن يرى الرجل من أهله فعلا محرما، أو يراهم في مواضع التهمة)، والتي يكرهها: أن يغار مِن غيْرِ رِيبة، بل مِنْ مجرد سوء الظن، وهذه الغيْرة تفسد المحبة، وتوقع العداوة بين المحب ومحبوبه". والمطلوب الغيرة الواقفة عند حدود الشريعة، التي فيها صيانة للأعراض، وحفظ للحرمات، وتعظيم لشعائر الله وحفظ لحدوده، وهي مؤشر على قوة ورسوخ الإيمان في القلب.
والله عز وجل غيور، ولا أحَد أغير مَنَ الله سبحانه.. وغَيْرة الله تعالى مِنْ جِنسِ صِفاتِه التي يختصُّ بها، فهي ليست مماثِلةً لغَيرة المخلوق، بل هي صفة تليق بعَظمتِه، وكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو ثابت لله تعالى على وجه يليق به سبحانه ولا يماثله خَلْقُه ولا يماثلهم، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى:11). قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "وهذا الذي أخبرنا به سبحانه وتعالى في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}(الشورى:11) ونحوها، أي: أن الله عز وجل مُنَزَّه عنْ أن يكون له مثل في شيء مما يوصف به من صفات كماله، لأن مماثلة المخلوق من أعظم النقص الذي يجب أن يُنَزَّه الله عنه".. وصفة الغَيْرة ثابتة لله تعالى بالأحاديث النبوية الصحيحة، على ما هو معروف في لغة العَرب، لكن على وجه يليق به سبحانه، لا يماثل فيها المخلوقين، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلا هو سبحانه وتعالى، وهذا مذهب واعتقاد أهل السُنة والجماعة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنَّ الله يَغارُ، وَإنَّ المُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ الله أنْ يَأتِىَ المُؤْمِنُ ما حَرَّم عليه) رواه مسلم. وفي رواية البخاري: (إنَّ اللَّهَ يَغارُ، وغَيْرَةُ اللَّهِ أنْ يَأْتِيَ المُؤْمِنُ ما حَرَّمَ اللَّه). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ الله، ولذلكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ ما ظَهَرَ منها وَما بَطَنَ) رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم في حديثه عن سعد بن عبادة رضي الله عنه: (أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْد، لَأَنَا أغْيَرُ منه، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي، ومِنْ أجْلِ غَيْرَةِ اللَّه حَرَّمَ الفَوَاحِش ما ظَهَر منها وما بَطَن) رواه البخاري.
اللهُ عز وجل يَغار أنْ تُنتهَك مَحارِمُه، ولذلك حرَّم الفواحِشَ، وهي كُلُّ خَصلةٍ قبيحة مِنَ الأقوال والأفعال، غَيْرَةً على عِباده وحِفظًا لِمَصالحهم. واللهُ سبحانه وتعالى ـ المتَّصِفٌ بصفاتِ الجَلالِ والكَمال ـ قدْ حدَّ حدودًا وشرائِع، وأمَر الأنبياء والمرسلين بتبليغِها، فأقام الحُجَّة على النَّاس وأعلَمَهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، وبيّن لهم الحلال والحرام، حفظا وسعادة لهم. وفي هذا الحديث (إنَّ الله يَغارُ، وَإنَّ المُؤْمِنَ يَغَار) يُخبِر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ اللهَ عز وجل يَغار، وأنَّ غَيرتَه أنْ يَأتيَ المؤمنُ ما حرَّمَ اللهُ، وخَصَّ المؤمنَ دُون غيرِه لأنَّ انتهاكَ المحارِمِ مِنَ المؤمنِ أعظَم مِن وُقوعه مِن غَيرِه. وغيرة اللهِ تعالى من جِنسِ صِفاتِه التي يختَصُّ بها، فهي ليست مماثِلةً لغَيرة المخلوق، بل هي صفةٌ تليقُ بعَظَمتِه دونَ تكييفٍ أو تشبيهٍ أو تعطيلٍ، وكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فهو ثابت لله تعالى على وجه يليق به سبحانه ولا يماثله خلقه ولا يماثلهم، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى:11).
قال ابن تيمية: "في الصحيح عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا أمة مُحمد ما أحد أغير من الله أن يزني عبدُه أو تزني أمَته)، فلم يصفه صلى الله عليه وسلم بمطلق الغيرة بل بيّن أنه لا أحَد أغير منه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغير مِنَ المؤمنين، وقد قدمنا غير مرة أن الله لا يُساوَى في شيء مِنْ صفاته وأسمائه، بل ما كان مِنْ صفات الكمال فهو أكمل فيه، وما كان من سلب النقائص فهو أنزه منه، إذْ له المثل الأعلى سبحانه وتعالى، فوصفه بأنه أغير مِنَ العباد وأنه لا أغير منه". وقال ابن القيم في "الصواعق المرسلة": "إنَّ الغيرة تتضمن البغض والكراهة، فأخبر أنَّه لا أحد أغير منه، وأنَّ مِنْ غَيْرته حرَّم الفواحش.. ومعلومٌ أنَّ هذه الصفات من صفات الكمال المحمودة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرةً، وأضدادها مذمومة عقلاً وشرعاً وعرفاً وفطرةً، فإنَّ الذي لا يغار، بل تستوي عنده الفاحشةُ وتركها، مذمومٌ غايةَ الذمِّ مستحقٌّ للذمِّ القبيح".
وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين": "والغيرة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل، ولكنها ليست كغيرتنا، بل هي أعظم وأجّل، والله سبحانه وتعالى بحكمته أوجب على العباد أشياء، وحرّم عليهم أشياء، وأحل لهم أشياء. فما أوجبه عليهم فهو خير لهم في دينهم ودنياهم، وفي حاضرهم ومستقبلهم، وما حرمه عليهم فإنه شر لهم في دينهم ودنياهم، وحاضرهم ومستقبلهم، فإذا حرم الله علي عباده أشياء فإنه عز وجل يغار أن يأتي الإنسان محارمه، وكيف يأتي الإنسان محارم ربه، والله سبحانه وتعالى إنما حرمها من اجل مصلحة العبد، أما الله سبحانه وتعالى فلا يضره أن يعصي الإنسان ربه، لكن يغار.. وفي هذا الحديث: إثبات الغيرة لله تعالى، وسبيل أهل السُنة والجماعة فيه وفي غيره من آيات الصفات وأحاديث الصفات أنهم يثبتونها لله سبحانه وتعالى علي الوجه اللائق به، يقولون: إن الله يغار لكن ليس كغيرة المخلوق، وإن الله يفرح ولكن ليس كفرح المخلوق، وان الله سبحانه وتعالى له من الصفات الكاملة ما يليق به، ولا تشبه صفات المخلوقين {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى:11)".
وقال أبو يعلى الفراء في "إبطال التأويلات": "اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما: إطلاق صفة الغَيْرة عليه. والثاني: في إطلاق الشخص. أما الغيرة، فغير ممتنع إطلاقها عليه سبحانه، لأنه ليس في ذلك ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه، لأن الغيرة هي الكراهية للشيء، وذلك جائز في صفاته. قال تعالى: {وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ}(التوبة:46)". وقال ابن بطال: "قال المهلب: وهذه الغيرة التي جاءت في هذه الأحاديث في وصف الله تعالى ليست منه على حسب ما هي عليه في المخلوقين، لأنه لا تجوز عليه صفات النقص تعالى، إذ لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، والغيرة في صفاته بمعنى الزجر عن الفواحش والتحريم لها والمنع منها، لأن الغيور هو الذى يزجر عما يغار عليه، وقد بين ذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: (ومِن غيرته حرم الفواحش)، أي زجر عنها ومنع منها، وبقوله في حديث أبى هريرة: (وغيرة الله ألا يأتي المؤمن ما حرم الله)، وقوله في حديث سعد: (لأنا أغير من سعد، والله أغير منى)، ومعنى ذلك أنه لزجور عن المحارم وأنا أزجر منه، والله أزجر من الجميع عما لا يحل". وقال ابن عبد البر: "أهل السنة مُجْمِعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها". وقال ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية": "ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله عز وجل بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، مِنْ غير تحريف ولا تعطيل، ومِنْ غير تكييف ولا تمثيل. يثبتون له الأسماء والصفات".
الله عز وجل ليس كمثله شيء، فإنه سبحانه الكامل في أسمائه الحسنى وصفاته العُلى، الذي دلت النصوص والعقول على أنه لا نظير له سبحانه وتعالى، فلا مثيل له في ربوبيته وإلهيته، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى:11). قال القرطبي: "والذي يُعْتقد في هذا الباب أن الله جلَّ اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته وحُسْنى أسمائه وعَليِّ صفاته، لا يشبه شيئا مِنْ مخلوقاته ولا يُشبه به {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}". وقال السعدي: "{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأنَّ أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفات كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوْجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارِك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه.. وهذه الآية ونحوها، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات. وفيها رد على المُشَبِّهَة في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} وعلى المُعَطِّلة في قوله: {وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}".
وغيرةُ اللهِ تعالى من جِنسِ صِفاتِه التي يختَصُّ بها، فهي ليست مماثِلةً لغَيرة المخلوق، بل هي صفةٌ تليقُ بعَظَمتِه دون تكييفٍ أو تشبيهٍ أو تعطيل، وفي الحديث: إثبات صِفة الغَيرة لله سبحانه وتعالى، وفيه: التحذير مِن اقتراف المحَرَّمات. قال أبو القاسم الأصبهاني في "الحُجة في بيان المَحَجَة وشرح عقيدة أهل السنة": "وجميع آيات الصفات التي في القرآن، والأخبار الصحاح في الصفات التي نقلها أهل الحديث، واجب على جميع المسلمين أن يؤمنوا بها، ويتركوا السؤال فيه وعنه، لأن السؤال في غوامضها بدعة.. مثل: النفس، والبدن، والسمع، والبصر، والكلام.. وغيرة الله تعالى، وفرحه بتوبة العبد، وغير ذلك مما صح عنه وثبت، فعلى العبد أن يؤمن بجميع ذلك، ولا يؤوله تأويل المخالفين، ولا يمثله تمثيل الممثلين، ولا يزيد فيه، ولا ينقص عنه، ولا يفسر منه إلا ما فسره السلف، ويمره على ما أمروا، ويقف حيث وقفوا، لا يقول: كيف، ولِمَ؟ يقبل ما قبلوه، ولا يتصرف فيه تصرف المعتزلة (الذين ينفون صفات الله) والجهمية (الذين ينفون أسماء وصفات الله)، هذا مذهب أهل السنة، وما وراء ذلك بدعة وفتنة، ثبتنا الله على الطريقة المستقيمة بمنه وفضله".
وقال الشيخ ابن باز: "المُحال عليه سبحانه وتعالى وصفه بالغَيْرة المشابهة لغيرة المخلوق، وأما الغيرة اللائقة بجلاله سبحانه وتعالى فلا يستحيل وصفه بها، كما دل عليه هذا الحديث وما جاء في معناه، فهو سبحانه يوصف بالغيْرة عند أهل السنَّة على وجه لا يماثل فيه المخلوقين، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلا هو سبحانه، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب وغير ذلك مِنْ صفاته سبحانه"..
المقالات

